الجزائر تعيد فتح ملف «السموم النووية» الفرنسية في الأمم المتحدة
نقلت الجزائر ملف تطهير مواقع التجارب النووية الفرنسية إلى أروقة الأمم المتحدة، في خطوة تعكس تصعيدًا جديدًا في علاقاتها المتوترة مع فرنسا.
وجاء هذا التحرك بالتزامن مع انعقاد المؤتمر الحادي عشر لمراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بمقر المنظمة الدولية في نيويورك، حيث تم انتخاب الجزائر نائبًا لرئيس المؤتمر، وهو ما اعتُبر مؤشراً على تنامي حضورها الدبلوماسي في قضايا نزع السلاح، ومنحها منصة للضغط على باريس للكشف عن إرثها الإشعاعي في الصحراء الجزائرية.
وخلال جلسات النقاش، وجّه الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع انتقادات حادة لفرنسا، واصفًا التجارب النووية التي أجرتها في ستينيات القرن الماضي بأنها “صفحة مؤلمة” في التاريخ النووي، مشيرًا إلى تداعياتها الإنسانية والبيئية المستمرة حتى اليوم، نتيجة 17 تجربة نُفذت في الجنوب الجزائري.
تاريخ من التلوث الإشعاعي
بين عامي 1960 و1966، أجرت فرنسا تجارب نووية في منطقتي رقان (تفجيرات جوية) وإينكر (تفجيرات تحت الأرض). وكانت أول تجربة، المعروفة باسم اليربوع الأزرق عام 1960، بقوة تفوق بثلاث مرات قنبلة هيروشيما، وقد خلّفت انتشارًا واسعًا للغبار الإشعاعي لمسافات تجاوزت آلاف الكيلومترات.

وبعد أكثر من ستة عقود، لا تزال آثار تلك التجارب حاضرة، حيث تشير تقارير صحية إلى معدلات مرتفعة من أمراض السرطان واللوكيميا والتشوهات الخلقية بين السكان، إلى جانب تضرر الأنشطة الاقتصادية كالرعي، نتيجة تلوث الأراضي. كما سجلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مستويات إشعاع مرتفعة في بعض المناطق المتضررة.
مطالب بالكشف والمحاسبة
وطالبت الجزائر فرنسا بالكشف عن الخرائط الدقيقة لمواقع التجارب والنفايات النووية المدفونة، إضافة إلى الأرشيفات والبيانات الطبية والإشعاعية، التي تُعد ضرورية لعمليات التطهير وحماية السكان.
وأشار بن جامع إلى أن هذه المعلومات ستساعد في تحديد أماكن المعدات الملوثة ومخلفات التفجيرات التي تُركت بعد انسحاب فرنسا عام 1967، وفق ما نصّت عليه اتفاقيات إيفيان التي أنهت الاستعمار الفرنسي للجزائر.
كما انتقدت الجزائر ما يُعرف بـ قانون موران، معتبرة أنه لا يُنصف الضحايا الجزائريين، إذ يستبعد العديد من الحالات ولا يعترف بحجم الأضرار البيئية والصحية، فضلًا عن وضع شروط صارمة للاعتراف بالإصابات المرتبطة بالإشعاع.
وأثارت الجزائر مسألة “ازدواجية المعايير”، مشيرة إلى أن فرنسا قامت بإجراءات تطهير وتعويض في بولينيزيا الفرنسية، حيث أجرت عشرات التجارب النووية، بينما لا يزال ملف الصحراء الجزائرية دون معالجة مماثلة.
مقترحات جزائرية ورد فرنسي غامض
وأكدت الجزائر أنها قدمت مقترحات عملية لإعادة تأهيل المواقع المتضررة، إلا أن باريس لم تستجب لها حتى الآن، ما يزيد من تعقيد ملف الذاكرة بين البلدين.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد طالب مرارًا فرنسا بتحمل مسؤولياتها الكاملة، خاصة فيما يتعلق بتطهير الأراضي من التلوث الإشعاعي، مؤكدًا أن “جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم”، وأن هذا الملف يظل من أبرز القضايا العالقة بين البلدين.
وبذلك، يتحول ملف التجارب النووية إلى نقطة توتر رئيسية جديدة في العلاقات الجزائرية-الفرنسية، في ظل سعي الجزائر لتدويله والضغط دوليًا من أجل تحقيق الشفافية والمساءلة.



