الأسد الإفريقي 2026.. ماذا يحدث في أكبر تدريب عسكري بإفريقيا؟
تشهد المغرب هذه الأيام انطلاق النسخة الثانية والعشرين من مناورات الأسد الإفريقي 2026، التي تُعد أكبر تدريب عسكري متعدد الجنسيات في القارة الإفريقية، بمشاركة واسعة تضم أكثر من 41 دولة وآلاف الجنود، في مؤشر على تنامي أهمية المنطقة في الحسابات العسكرية والأمنية الدولية.

وتنظم هذه المناورات سنويًا بشراكة بين القوات المسلحة الملكية المغربية والجيش الأمريكي، منذ إطلاق نسختها الأولى عام 2007، لكنها شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا لافتًا سواء من حيث عدد المشاركين أو طبيعة التدريبات، ما جعلها منصة استراتيجية للتنسيق العسكري وتبادل الخبرات بين دول من إفريقيا وأوروبا وأمريكا.
وبحسب المعطيات المعلنة، يشارك في نسخة هذا العام أكثر من 5600 عنصر عسكري من القوات النظامية والاحتياط والحرس الوطني، إلى جانب وحدات برية وجوية وبحرية وقوات خاصة.
وتنتشر التدريبات في عدة مناطق مغربية، من بينها أكادير وبنجرير وطانطان والداخلة وتارودانت، بما يتيح محاكاة سيناريوهات متنوعة تتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة.
ولا تقتصر مناورات "الأسد الإفريقي 2026" على التدريبات التقليدية، بل تعكس تحولًا واضحًا نحو الحروب المستقبلية، إذ تركز الدورة الحالية على مجالات متقدمة مثل الفضاء الخارجي، والحرب الإلكترونية، والفضاء السيبراني، واستخدام الطائرات المسيّرة، وهي ملفات أصبحت تشكل العمود الفقري للعقائد العسكرية الحديثة.
وتشمل التدريبات هذا العام عمليات الدفاع السيبراني وحماية البنية التحتية الرقمية، إضافة إلى تدريبات مرتبطة بالأقمار الصناعية ودمجها في إدارة العمليات العسكرية، فضلًا عن الحرب الكهرومغناطيسية والتعامل مع بيئات تشهد تشويشًا على الاتصالات والإشارات العسكرية.
كما تشهد المناورات تنظيم أول دورة وطنية في المغرب لتأهيل مراقبي استهداف القوات الجوية (JTAC)، وهي وحدات متخصصة في تنسيق الضربات الجوية مع القوات البرية، ما يعكس توجهًا نحو رفع مستوى التكامل العملياتي بين مختلف الأفرع العسكرية.
وتتضمن الأنشطة أيضًا تمارين تكتيكية برية وبحرية وجوية تُنفذ ليلًا ونهارًا، وعمليات إنزال جوي، وتدريبات للقوات الخاصة، إضافة إلى سيناريوهات لمواجهة أسلحة الدمار الشامل وإدارة الأزمات الميدانية.
ويرى مراقبون، أن هذه المناورات تحمل أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري البحت، إذ تعكس سعي الولايات المتحدة وشركائها لتعزيز الحضور الأمني في إفريقيا، في ظل تصاعد المنافسة الدولية داخل القارة، وتزايد التحديات المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والاضطرابات الإقليمية.
كما تمنح المناورات المغرب موقعًا متقدمًا كشريك أمني محوري في المنطقة، خاصة مع استضافته تدريبات بهذا الحجم والتنوع، وقدرته على توفير بنية تحتية ومناطق تدريب متعددة تتناسب مع مختلف السيناريوهات العسكرية.
وفي الجانب الإنساني، تتضمن المناورات خدمات طبية وجراحية واجتماعية تقدمها مستشفيات ميدانية عسكرية لفائدة سكان بعض المناطق، في محاولة لإبراز البعد المدني والإنساني للتعاون العسكري الدولي.
ومع استمرار التوترات الدولية وتطور طبيعة الحروب، تبدو مناورات "الأسد الإفريقي 2026" أكثر من مجرد تدريبات عسكرية اعتيادية، بل رسالة استراتيجية تؤكد أن ساحات الصراع الحديثة لم تعد تقتصر على البر والبحر والجو، وإنما امتدت إلى الفضاء الرقمي والفضائي، حيث تتشكل ملامح الحروب المستقبلية.



