التكنولوجيا بقلب الطبيعة.. مشروع كبير يعيد تشكيل مستقبل السياحة في مصر
في شرم الشيخ، حيث تمتد الصحراء لتصافح البحر في مشهد يبدو ثابتًا منذ الأزل، يبدأ سؤال جديد يتسلل بهدوء إلى قلب المكان هل يمكن للإنسان أن يعيد تشكيل الطبيعة دون أن يفقد توازنها، أم أن كل محاولة للتحكم فيها هي في جوهرها إعادة تعريف لمعنى الحياة نفسها؟
فما يُطرح اليوم تحت مسمى “المدينة الخضراء” لا يبدو مجرد مشروع بيئي أو خطة تطوير عمراني، بل أقرب إلى تجربة فلسفية مفتوحة على احتمالات متناقضة.
سيناء
بدأت القصة في قلب شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي الطبيعة البكر بالمقاصد السياحية العالمية، هنا تدور تحولات هادئة قد تعيد رسم ملامح واحدة من أهم المدن المصرية.
فلم تعد شرم الشيخ مجرد وجهة للترفيه والاستجمام، بل أصبحت ساحة لتجربة طموحة تسعى إلى تحويلها إلى مدينة خضراء مستدامة، في إطار مشروع يحمل اسم “جرين شرم”.
هذا المشروع، الذي يجري تنفيذه على مراحل ممتدة حتى عام 2028، يكشف عن توجه استراتيجي يتجاوز التجميل البيئي إلى إعادة صياغة العلاقة بين التنمية والسياحة والبيئة.
اجتماع حاسم
خلال زيارة ميدانية لمحافظة جنوب سيناء، عقدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، اجتماعًا موسعًا مع اللواء الدكتور إسماعيل كمال، محافظ جنوب سيناء، لمتابعة الموقف التنفيذي للمشروع، بحضور قيادات بيئية وتنفيذية بارزة.
الاجتماع لم يكن مجرد عرض تقليدي، بل شكل محطة تقييم حقيقية لما تحقق، وما يجب إنجازه في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تعقيد المشروع وتشعب محاوره.
جرين شرم
بحسب القائمين عليه، لا يهدف المشروع فقط إلى تحسين المظهر البيئي للمدينة، بل يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها خفض الانبعاثات الكربونية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، ودعم التحول إلى السياحة المستدامة، بالإضافة إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ البيئي.
فيما يمول المشروع من خلال مرفق البيئة العالمي، وينفذ عبر جهاز شؤون البيئة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبالشراكة مع محافظة جنوب سيناء.
مدينة ومحميات تحت المجهر
لا يقتصر المشروع على المدينة فقط، بل يمتد ليشمل ثلاثًا من أهم المحميات الطبيعية في مصر محمية نبق، ومحمية أبو جالوم، ومحمية رأس محمد؛ وهو ما يعكس توجهًا لحماية النظام البيئي ككل، وليس مجرد تطوير عمراني منفصل.
التحول الأخضر
فيما يعتمد المشروع على ستة محاور رئيسية تشكل العمود الفقري للتحول، وهي إدارة المخلفات الصلبة، بالإضافة إلى النقل المستدام (مثل الأتوبيسات الكهربائية)، وكذا الطاقة الجديدة والمتجددة (خاصة الطاقة الشمسية)، والمياه والصرف الصحي، بالإضافة إلى التنوع البيولوجي والتنمية المجتمعية والدعم الفني والمالي.
هذه المحاور لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل لتصنع نموذجًا حضريًا مستدامًا.
إنجازات على الأرض
رغم أن المشروع لا يزال في منتصف الطريق، إلا أن نتائجه بدأت تظهر بشكل ملموس، من بينها إطلاق تطبيق "Eco-Monitor" لرصد الحياة البحرية بالتعاون مع قطاع السياحة
وكذا تفعيل نظام التصاريح الإلكتروني (E-Permitting) داخل المحميات، بالإضافة إلى إنشاء منظومة رصد وإبلاغ بيئي على مستوى المدينة، وكذا دعم الفنادق لتطبيق نظم الإدارة البيئية وتقليل الانبعاثات، وتركيب أعمدة إنارة تعمل بالطاقة الشمسية، وإدخال أنظمة الطاقة النظيفة داخل المنشآت السياحية
كما شهدت المدينة خطوة مهمة بانضمامها إلى شبكة ICLEI الدولية، لتصبح أول مدينة مصرية تنضم إلى هذا التحالف العالمي للمدن المستدامة.
شركاء التحول
لم يغفل المشروع دور القطاع الخاص والمجتمع المحلي، حيث تم تنفيذ مراجعات بيئية للفنادق لتحسين كفاءة الطاقة والتبريد وإدارة المخلفات، وكذا تقديم دعم فني لتركيب ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى تدريب العاملين في قطاع السياحة على الإدارة المستدامة، وكذا تمكين المجتمع المحلي عبر مشروعات الحرف اليدوية، وتأهيل الكوادر الجديدة للعمل داخل المحميات الطبيعية
هذه الجهود تعكس إدراكًا بأن الاستدامة لا تُفرض من أعلى، بل تبنى عبر مشاركة جميع الأطراف.

الاقتصاد الأخضر
وفي النهاية فجرين شرم ليس مجرد مشروع محلي، بل يمثل نموذجًا قابلًا للتكرار في مدن أخرى، ويعكس توجه الدولة نحو التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وكذا دعم السياحة المستدامة، وحماية الموارد الطبيعية
قد لا يكون التغيير صاخبًا، لكنه عميق؛ فحين تتحول مدينة سياحية إلى مختبر للاستدامة، فإن ما يحدث ليس مجرد تطوير، بل إعادة تعريف للمستقبل.

