رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ماذا يحضر للأسرة المصرية؟.. مشروع قانون جديد يقترب من أدق لحظات الحياة

ارشيفية
ارشيفية

الأسرة، في جوهرها الأعمق، ليست مجرد عقد اجتماعي أو رابطة قانونية، بل هي التجربة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الارتباط بالآخر، وحدود الذات حين تتقاطع مع المسؤولية.

ومن ثمّ، فإن الحديث عن تنظيمها تشريعيًا لا يمسّ بنية قانون فحسب، بل يقترب من سؤال فلسفي أقدم كيف يمكن للمجتمع أن يصنع توازنًا بين الحرية الفردية واستمرارية الجماعة دون أن يُفقد الإنسان إنسانيته داخل منظومة القواعد؟. 

التأهيل الأسري

وفي هذا السياق، يصبح طرح التأهيل الأسري والقوانين المنظمة للعلاقات الأسرية محاولة لإعادة التفكير في “بدايات الاختيار” قبل أن تتحول إلى “نتائج صراع”، وكأن التشريع هنا لا يكتفي بإدارة الواقع، بل يسعى إلى تهذيب لحظة الميلاد الأولى للعلاقة الإنسانية.

إنها محاولة للاقتراب من منطقة شديدة الحساسية، حيث تتداخل العاطفة مع القانون، والخاص مع العام، والحميمي مع المؤسسي، في معادلة لا يمكن ضبطها بالكامل، لكنها تظل دائمًا في حاجة إلى معنى يوازن بين النظام والرحمة.

وفي ذلك الصدد وفي ظل تصاعد النقاشات المجتمعية حول قضايا الأسرة المصرية، وما تشهده من تحديات متزايدة تتعلق بالطلاق والنزاعات الأسرية، عقد حزب حماة الوطن صالونًا سياسيًا موسعًا، شهد طرحًا تشريعيًا جديدًا يستهدف إعادة تنظيم البنية القانونية والاجتماعية للأسرة، عبر مقترحين رئيسيين: مشروع قانون التأهيل الأسري الإلزامي للمقبلين على الزواج، ومقترح قانون الأسرة المصرية.

وجاء الإعلان على لسان النائب الدكتور أحمد العطيفي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن بمجلس النواب وأمين تنظيم الجمهورية، الذي أكد أن التوصيات تمثل “مدخلًا تشريعيًا متوازنًا” يجمع بين الوقاية قبل الزواج، والحماية أثناء الحياة الأسرية، والضمان الاجتماعي بعد حدوث الانفصال.

فلسفة وقائية

أوضح العطيفي أن مشروع التأهيل الأسري الإلزامي يهدف إلى إعداد الشباب قبل الإقدام على الزواج، بما يرسخ مفهوم الوقاية من النزاعات الأسرية قبل وقوعها، بينما يعيد مشروع قانون الأسرة المصرية صياغة الإطار القانوني المنظم للعلاقات الأسرية بما يحقق التوازن بين الأطراف المختلفة، مع التركيز على حماية الطفل وتعزيز دور الدولة في دعم الاستقرار الأسري.

كما شدد على أن الحزب يسعى إلى تحويل قضايا الأسرة من مجرد ملفات قانونية متفرقة إلى رؤية تشريعية متكاملة.

حوار مجتمعي واسع

وفي خطوة موازية للمسار التشريعي، أعلن الحزب عن توصيات تنفيذية ومجتمعية، تتضمن إطلاق جلسات حوار مجتمعي على مستوى جميع أمانات الحزب في المحافظات، بهدف فتح نقاش وطني شامل حول قضايا الأسرة.

كما طرح الحزب مقترح إنشاء “المركز الوطني لحماية الأسرة المصرية”، ليكون كيانًا تنسيقيًا يتبع رئاسة مجلس الوزراء، يتولى وضع السياسات العامة، وتنسيق الجهود بين الجهات المعنية، ورصد المؤشرات الاجتماعية، ودعم برامج التأهيل والإرشاد الأسري، إلى جانب متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للأسرة.

تأكيد على التوجيهات الرئاسية

من جانبه، أكد اللواء أحمد العوضي، وكيل أول مجلس الشيوخ والنائب الأول لرئيس الحزب، دعم الحزب لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تطوير قانون الأحوال الشخصية، مشيرًا إلى أن الهدف هو بناء منظومة قانونية تحقق التوازن بين جميع الأطراف.

وفي السياق ذاته، ثمّن النائب ياسر جلال، وكيل لجنة الإعلام والفنون والثقافة بمجلس الشيوخ، هذا التوجه، مؤكدًا أهمية دور الإعلام والدراما في تسليط الضوء على قضايا الأسرة، مستشهدًا بأعمال درامية تناولت هذه الملفات مثل “أب ولكن” و“كان يا ما كان”.

الدراما والإعلام بقلب النقاش

وشهد الصالون نقاشًا موسعًا حول دور الفن والإعلام في تشكيل الوعي الأسري، حيث أشار الكاتب والنائب أحمد مراد إلى أن الدراما قادرة على التأثير في المجتمع وصناعة وعي تشريعي غير مباشر، مستشهدًا بأعمال درامية وأفلام أثّرت في السلوك الاجتماعي، مثل فيلم “جعلوني مجرمًا” ومسلسل “رأفت الهجان”.

كما أشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عاملًا مؤثرًا قد يحمل أحيانًا آثارًا سلبية تستدعي تنظيمًا ووعيًا أكبر.

البعد الديني والقانوني

وفي مداخلة لافتة، شدد الأنبا ارميا، رئيس المركز الثقافي الأرثوذكسي، على ضرورة الفصل بين الزواج كطقس ديني وعقد قانوني، داعيًا إلى تنظيم العلاقة بين المرجعيات الدينية والمحاكم المدنية بما يمنع التضارب في القرارات، دون المساس بالثوابت الدينية.

كما دعا إلى وقف أساليب التحايل في تغيير الملة لأغراض تتعلق بالطلاق، مشيدًا بدور الدولة في دعم الاستقرار الأسري.

قراءة في الواقع

فيما قدمت النائبة راندا مصطفى، رئيس لجنة التضامن بمجلس النواب، أرقامًا تعكس حجم التحدي، موضحة أن لجنة الشكاوى تلقت نحو ألف قضية ومطلب متعلق بالأحوال الشخصية، في حين تُسجل مصر سنويًا ما يقارب 273 ألف حالة طلاق مقابل نحو 800 إلى 900 ألف حالة زواج.

وأكدت أن الطفل يجب أن يكون محور أي تشريع جديد، باعتباره الأكثر تأثرًا باضطرابات الانفصال الأسري.

التأهيل الإلزامي

من جانبها، كشفت الدكتورة هالة رمضان، رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، عن نتائج استطلاع رأي أظهر تأييدًا واسعًا لعدد من الإجراءات المقترحة، أبرزها تأييد 88.8% لدورات التأهيل قبل الزواج، وكذا تأييد 95% لتوثيق الطلاق بحضور الطرفين، بالإضافة إلى تأييد 85% لنقل الوصاية للأم بعد وفاة الأب، وتأييد 83% لتوثيق قائمة المنقولات.

كما دعت إلى إدراج فحص نفسي ضمن الفحوصات المرتبطة بالزواج.

التعليم والدين والصحة النفسية

وشدد الدكتور مختار جمعة، وزير الأوقاف الأسبق، على أهمية التوعية الأسرية منذ الطفولة، بينما أشار الدكتور هشام رامي، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، إلى أن الأسرة المستقرة تتطلب إعدادًا نفسيًا وتربويًا متكاملًا منذ المراحل المبكرة.

كما أكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن “مصلحة الطفل الفضلى” يجب أن تكون الحاكم الرئيسي لأي تشريع، داعية إلى تجريم زواج الأطفال، وتفعيل برامج تأهيل إلزامية للمقبلين على الزواج، وتطوير آليات النفقة والرؤية بما يضمن استقرار الطفل نفسيًا واجتماعيًا.

رؤية تشريعية جديدة

في عرضه لمشروع قانون التأهيل الأسري، أوضح النائب الدكتور عمرو الورداني أن المشروع يستهدف خفض معدلات الطلاق المبكر بنسبة تتراوح بين 15% و30% خلال خمس سنوات، مع إدخال منظومة رقمية للتأهيل الأسري، وربط التأهيل بإجراءات توثيق الزواج.

العقد الاجتماعي للأسرة

كما اتفق المشاركون في الصالون على ضرورة إطلاق حوار مجتمعي موسع يشمل مختلف فئات المجتمع، بهدف الوصول إلى تشريع متوازن يعالج جذور الأزمة الأسرية، لا مظاهرها فقط، في وقت تتزايد فيه معدلات الطلاق والنزاعات القضائية، وتتعاظم فيه الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الأسرة المصرية على أسس أكثر استقرارًا ووعيًا.

وفي النهاية فبين الطرح التشريعي والنقاش المجتمعي، يبدو أن ملف الأسرة المصرية يدخل مرحلة جديدة من إعادة التشكيل، عنوانها الأبرز: “الوقاية قبل العلاج، والتأهيل قبل الارتباط، والحماية قبل النزاع”.

تم نسخ الرابط