ما لا يرى في قارون.. أسرار مشروع يعيد صياغة الحياة في أعرق بحيرات الفيوم
في الأزمنة القديمة، لم تكن البحيرات مجرد مسطحات مائية، بل كانت مرآة صامتة تعكس توازن الكون بين العطاء والفناء؛ فحين يختل هذا التوازن، لا يتجلى الخلل في الماء وحده، بل يمتد ليكشف هشاشة العلاقة بين الإنسان والطبيعة، تلك العلاقة التي طالما ظن أنها تحت سيطرته، بينما هي في حقيقتها شراكة دقيقة لا تحتمل الإخلال.
لتبدو بحيرة قارون اليوم كأنها تطرح سؤالاً وجودياً يتجاوز حدود الجغرافيا، هل يستطيع الإنسان إصلاح ما أفسدته يده، أم أن الطبيعة تحتفظ بذاكرة أطول من قدرته على النسيان؟.

بحيرة قارون
ففي كل مشروع تطوير، وكل محاولة لإعادة التوازن، لا يجري العمل على إنقاذ بحيرة فحسب، بل على إعادة تعريف دور الإنسان نفسه هل هو مستهلك للموارد، أم حارس لها، وهذا ما ينطبق على بحيرة قارون؟
بدأت القصة في قلب محافظة الفيوم، حيث تقف بحيرة قارون كواحدة من أقدم المسطحات المائية الطبيعية في العالم، شاهدةً على تاريخ طويل من الازدهار والتراجع. فهذه البحيرة التي كانت يوماً مصدراً رئيسياً للثروة السمكية، تحولت خلال العقود الأخيرة إلى نموذج لتحديات بيئية معقدة، نتيجة تراكمات الصرف الصحي والصناعي وارتفاع معدلات الملوحة وتدهور التنوع البيولوجي.
اليوم، تعود البحيرة إلى صدارة المشهد التنموي، في إطار تحركات حكومية مكثفة تستهدف إعادة التوازن البيئي واستعادة دورها الاقتصادي، ضمن رؤية أشمل للحفاظ على الموارد الطبيعية في مصر.
تنسيق لإحياء البحيرة
في هذا السياق، عقدت الدكتورة منال عوض اجتماعاً موسعاً مع الدكتور محمد هاني غنيم، بحضور عدد من الجهات المعنية، لمتابعة الموقف التنفيذي لخطة إعادة التوازن البيئي لبحيرة قارون.

الاجتماع لم يكن تقليدياً، بل عكس توجهاً واضحاً نحو العمل التكاملي بين مؤسسات الدولة، حيث شارك فيه ممثلو وزارات الموارد المائية والري، والإسكان، وجهاز تنمية وحماية البحيرات، ومعهد علوم البحار، في محاولة لتوحيد الجهود لمواجهة أزمة بيئية متعددة الأبعاد.
وأكدت الوزيرة خلال الاجتماع أن ملف بحيرة قارون يمثل أولوية قصوى، تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية، مشددة على ضرورة تسريع وتيرة التنفيذ وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
التحدي الأكبر
تُعد مشكلة الصرف الصحي والصناعي أحد أبرز أسباب تدهور حالة البحيرة، حيث تستقبل كميات كبيرة من المياه غير المعالجة عبر المصارف.
وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ برنامج متكامل لتطوير خدمات الصرف الصحي بمحافظة الفيوم، يستهدف خدمة نحو 1.9 مليون مواطن، عبر إنشاء وتطوير محطات معالجة حديثة، وكذا شبكات صرف متكاملة، بالإضافة إلى محطات رفع في القرى والمراكز.
كما تُنفذ مشروعات ضمن مبادرة حياة كريمة، تشمل إنشاء وتوسعة 10 محطات معالجة، إضافة إلى 4 محطات جديدة تخدم مناطق وادي الريان.
ووفق الخطط الحالية، من المتوقع أن تصل تغطية خدمات الصرف الصحي في المحافظة إلى نحو 86%، وهو ما يمثل نقلة نوعية في تقليل التلوث الواصل إلى البحيرة.
محطة كوم أوشيم
يبرز مشروع إعادة تأهيل محطة معالجة الصرف الصناعي بمنطقة كوم أوشيم كأحد أهم المشروعات الجارية، حيث تبلغ طاقته 19 ألف متر مكعب يومياً، فيما تصل تكلفته إلى نحو 450 مليون جنيه، كما بلغت نسبة تنفيذه نحو 70%.
ويمثل المشروع خطوة أساسية للحد من تصريف الملوثات الصناعية إلى البحيرة، وقد شددت الوزيرة على ضرورة الإسراع في توفير التمويل لاستكماله في أقرب وقت.

عودة الحياة
رغم التحديات، بدأت تظهر مؤشرات إيجابية على تحسن الحالة البيئية لبحيرة قارون؛ فقد تم استئناف نشاط الصيد بعد تحسن جودة المياه، وكذا إطلاق نحو 6 ملايين وحدة من زريعة الجمبري، بالإضافة إلى إدخال أنواع سمكية جديدة مثل "أمهات موسى".
وتهدف هذه الإجراءات إلى إعادة التوازن البيولوجي للبحيرة، وزيادة الإنتاج السمكي، وتحسين دخل الصيادين الذين تضرروا بشدة خلال السنوات الماضية.
بين الفرص والمخاوف
ضمن خطط التنمية، طُرح مقترح إنشاء مصنع لاستخراج الأملاح من البحيرة، خاصة في القطاع الشمالي.
ورغم ما يحمله المشروع من فرص اقتصادية، فقد شددت الوزيرة على ضرورة إعداد دراسة بيئية متكاملة قبل التنفيذ، بالتنسيق مع الجهات المختصة، لضمان عدم تأثيره سلباً على النظام البيئي.
حملات التوعية
لم تقتصر الجهود على المشروعات الهندسية، بل امتدت إلى البعد المجتمعي، حيث تم التأكيد على إطلاق حملات توعوية للتخلص الآمن من الحيوانات النافقة
الحد من الممارسات الضارة بالبيئة، وكذا تعزيز وعي المواطنين بأهمية حماية البحيرة؛ فيما تعد هذه الخطوة ضرورية لضمان استدامة أي تحسن بيئي يتم تحقيقه.

البحيرة بقلب خطة أوسع
ناقش الاجتماع أيضاً عدداً من الملفات التنموية بمحافظة الفيوم، من بينها تطوير البنية التحتية، وكذا رصف الطرق، بالإضافة إلى تحسين الخدمات الحكومية، ودعم المشروعات الاقتصادية المحلية؛ وذلك في إطار خطة شاملة تهدف إلى تحقيق تنمية متوازنة تربط بين البيئة والاقتصاد وتحسين جودة الحياة.
تحديات وسباق مع الزمن
رغم الجهود المبذولة، لا تزال هناك تحديات كبيرة، أبرزها استمرار تدفقات الصرف غير المعالج، وكذا الحاجة إلى تمويل إضافي لبعض المشروعات، وضرورة التنسيق المستمر بين الجهات المختلفة، بالإضافة إلى الحفاظ على الاستدامة بعد انتهاء المشروعات
وهو ما يجعل نجاح خطة تطوير بحيرة قارون مرهوناً بسرعة التنفيذ ودقة المتابعة.

هل تستعيد البحيرة مجدها؟
تمثل بحيرة قارون اليوم اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على استعادة التوازن البيئي لمواردها الطبيعية، في ظل ضغوط متزايدة على البيئة.
فبين مشروعات البنية التحتية، وخطط إعادة التوازن البيولوجي، وجهود التوعية المجتمعية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد للبحيرة دورها التاريخي.
لكن السؤال يبقى مفتوحاً هل تنجح هذه الجهود في إعادة الحياة الكاملة لبحيرة قارون… أم أن التحديات البيئية ستظل تفرض نفسها؟



