ما الذي عاد للحياة داخل مقابر الخوخة؟.. أسرار تكشف لأول مرة
في الأماكن التي يظنها الإنسان ساكنة، يكون الزمن في الحقيقة أكثر حركةً مما نتصور؛ فالمقابر، رغم صمتها الظاهري، ليست نهاية الحكاية بل بدايتها الأخرى؛ هناك حيث يتحول الحجر إلى ذاكرة، والنقوش إلى لغة تتجاوز الموت لتروي معنى الحياة كما فهمه القدماء.
وفي حضارةٍ مثل الحضارة المصرية القديمة، لم يكن الدفن انقطاعًا عن العالم، بل امتدادًا لفكرة الخلود، ومحاولةً واعية لترك أثر يقاوم الفناء.
حوار بين زمنين
ومن هنا، تصبح أعمال الترميم المعاصرة ليست مجرد تدخل تقني في آثار قديمة، بل حوارًا هادئًا بين زمنين؛ زمنٍ كتب على الجدران، وزمنٍ يحاول أن يقرأ ما كُتب دون أن يفسده.
ومن ذك المنطلق وفي قلب البر الغربي لمدينة الأقصر، حيث تمتزج رمال الزمن بملامح الحضارة المصرية القديمة، تتواصل جهود وزارة السياحة والآثار، ممثلة في المجلس الأعلى للآثار، لتنفيذ مشروع أثري متكامل يهدف إلى صون التراث الحضاري وإعادة إحياء واحدة من أهم مناطق الجبانة التاريخية بمنطقة الخوخة، عبر ترميم وتطوير ثلاث مقابر أثرية، تمهيدًا لفتحها أمام الزائرين خلال الفترة المقبلة.
ويأتي المشروع في إطار استراتيجية شاملة تتبناها الوزارة تهدف إلى توسيع خريطة المقاصد السياحية الأثرية، ورفع كفاءة المواقع المفتوحة للزيارة، بما يسهم في تحسين التجربة السياحية وتعزيز مكانة مصر كوجهة رائدة للسياحة الثقافية على مستوى العالم.
قرون من الصمت
يشمل المشروع ثلاث مقابر أثرية ذات قيمة تاريخية وفنية استثنائية، هي مقبرة أمنحتب (رابويا الأب) رقم (TT416)، الذي شغل منصب حارس بوابة آمون بالكرنك خلال عصر الملك تحتمس الثالث، ومقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417)، التي تعود إلى عصر الملك تحتمس الرابع، إلى جانب مقبرة نخت رقم (TT52)، والتي تعود هي الأخرى إلى عصر تحتمس الرابع، والمفتوحة بالفعل للزيارة بعد تطويرها.
وتُعد المقبرتان TT416 وTT417 من الإضافات الجديدة المنتظرة على خريطة الزيارة السياحية، حيث من المقرر افتتاحهما خلال الفترة المقبلة بعد الانتهاء من أعمال الترميم الدقيقة التي أعادت إحياء تفاصيلهما الفنية.
الحفاظ على التراث
وأكد السيد شريف فتحي وزير السياحة والآثار، أن أعمال الترميم تأتي ضمن رؤية الدولة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للجمهور بصورة تليق بقيمته التاريخية والحضارية، مشيرًا إلى أن التطوير لا يقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير البنية التحتية والخدمات المصاحبة.
وأوضح أن هذه الجهود تستهدف دعم مكانة الأقصر كأحد أهم المقاصد السياحية الثقافية في العالم، وتعزيز قدرة مصر على استقطاب المزيد من الزائرين المهتمين بالسياحة الأثرية.
ترميم علمي دقيق
من جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين، مؤكدًا أن الهدف هو تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم.
وأشار إلى أن المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن التصوير الجنائزي والحياة اليومية خلال عصر الدولة الحديثة، بما يجعلها إضافة نوعية إلى مسار الزيارة بالبر الغربي.
برنامج للترميم والتأهيل
وكشف الأستاذ مؤمن عثمان، رئيس قطاع الترميم ومشروعات الآثار، أن أعمال الترميم في المقبرتين TT416 وTT417، والمقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، شملت برنامجًا متكاملًا تضمن الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وكذا ترميم الجدران ومعالجة الشقوق، بالإضافة إلى إزالة الرديم والتنظيف الميكانيكي، وتقوية الألوان وصيانتها.
كما شمل المشروع تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، إلى جانب تزويد الموقع بلوحات إرشادية ومظلات ومقاعد للراحة، وإعداد كتيبات تعريفية باللغتين العربية والإنجليزية.
عمارة تحكي الحياة والموت
وفي السياق ذاته، أشار الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، إلى أن المقبرتين تتميزان بتخطيط معماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تتكون كل مقبرة من صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، تتصل بصالة طولية تتضمن مشاهد جنائزية.
وأوضح أن مقبرة رابويا تتضمن مناظر زراعية وطقوسًا جنائزية بارزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، فيما تتميز مقبرة ساموت بزخارف فنية عالية الجودة رغم عدم اكتمالها.
أما مقبرة نخت (TT52)، المفتوحة حاليًا للزيارة، فقد شهدت أعمال تطوير شملت تحديث نظام الحماية الزجاجي للنقوش، وتطوير الإضاءة الداخلية، وتنفيذ أعمال تنظيف وترميم دقيقة، بما يضمن الحفاظ على النقوش وتحسين تجربة الزائر.
وتصور جدران المقبرة مشاهد متعددة لنخت وزوجته أثناء تقديم القرابين والزيوت العطرية، إلى جانب مشاهد للإشراف على الأنشطة الزراعية والحياتية اليومية، في انعكاس واضح لتفاصيل الحياة في عصر الدولة الحديثة.
الأقصرذاكرة الضوء
يمثل مشروع ترميم مقابر الخوخة خطوة جديدة في مسار طويل من الجهود الرامية إلى إعادة إحياء المواقع الأثرية في الأقصر، ليس فقط باعتبارها شواهد تاريخية، بل كمساحات حية تروي قصة الإنسان المصري القديم، وتعيد ربط الحاضر بجذوره العميقة في واحدة من أعظم حضارات التاريخ.
وبين جدران تعود للحياة بعد قرون من الصمت، تُكتب اليوم فصول جديدة من الحكاية… حكاية لا تنتهي، بل تتجدد كلما عاد الضوء ليكشف ما خبأه الزمن.



