بين الرقابة والتوسع.. مشروع ضخم يعيد هيكلة قطاع الثروة الحيوانية وقواعد الإنتاج
في عالمٍ تتداخل فيه معادلات الإنتاج بالأمن الغذائي، وتتشابك فيه احتياجات الإنسان مع قدرة الأرض على العطاء، يصبح قطاع الثروة الحيوانية أكثر من مجرد نشاط اقتصادي؛ إنه مرآةٌ تعكس وعي الدولة بمفهوم الاستدامة، وقدرتها على تحويل الموارد إلى حياة تدار بعقلٍ علمي ورؤيةٍ طويلة المدى.
فالاستثمار في الغذاء ليس استثمارًا في اللحظة، بل هو رهان على المستقبل، حيث تُقاس قوة الأمم بقدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية دون اضطراب أو تبعية.
ومن هنا، تبرز أهمية بناء منظومة متكاملة تُوازن بين الإنتاج والرقابة، بين التوسع والانضباط، وبين دعم المربين وحماية المستهلك.

وفي هذا السياق، لا تبدو القرارات والإجراءات مجرد أرقام أو تراخيص، بل تتحول إلى ملامح في مشروع أكبر، هدفه إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان ومصادر غذائه، وتحويل القطاع إلى منظومة أكثر كفاءة وشفافية وقدرة على الاستجابة لتحديات السوق والتنمية.
الثروة الحيوانية والداجنة
حيث يشهد قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة في مصر نشاطًا مكثفًا يعكس توجه الدولة نحو تطوير هذا القطاع الحيوي، حيث كشفت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي عن إصدار نحو 987 ترخيص تشغيل ما بين تجديد وترخيص لأول مرة، لكافة أنشطة ومشروعات الثروة الحيوانية والداجنة والعلفية، إضافة إلى مراكز تجميع الألبان، وذلك خلال شهر مارس الماضي.
وجاءت هذه الأرقام في تقرير رسمي تلقاه علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، من الدكتور طارق سليمان رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة، والذي استعرض خلاله أبرز أنشطة القطاع وجهوده خلال الفترة المشار إليها، في إطار خطة الدولة لتيسير إجراءات التراخيص، مع ضمان الالتزام الكامل بمعايير الأمن والأمان الحيوي.
تيسير الإجراءات ودعم المربين
وأوضح التقرير أن هذه الجهود تأتي تنفيذًا لتوجيهات وزير الزراعة ونائب الوزير، الهادفة إلى تذليل العقبات أمام المستثمرين والمربين، وتبسيط إجراءات التراخيص، بما يحقق التوازن بين دعم الإنتاج والالتزام بالضوابط العلمية والصحية.
وأشار رئيس القطاع إلى أنه تم إصدار 396 تصريح مزاولة نشاط لتربية الماشية للمربي الصغير، في إطار دعم صغار المربين ودمجهم في المنظومة الرسمية، مع الالتزام الكامل بإجراءات الأمن الحيوي داخل وخارج المشروعات.

إقامة مشروعات جديدة
وفيما يتعلق بقطاع الأعلاف، تم تسجيل 508 تسجيلة لمخاليط الأعلاف وإضافاتها ومركزاتها، شملت 287 تسجيلة محلية و221 مستوردة، وذلك وفقًا لمعايير علمية دقيقة وبالتعاون مع المركز الإقليمي للأغذية والأعلاف ومعهد بحوث الإنتاج الحيواني.
كما تم إصدار 74 موافقة فنية لإقامة مشروعات جديدة في مجالي الثروة الحيوانية والداجنة بالظهير الصحراوي، وفق اشتراطات البعد الوقائي والأمان الحيوي.
رقابة مصانع الأعلاف
وفي إطار ضبط الأسواق، تم تنفيذ حملات تفتيش موسعة بالتعاون مع الجهات الرقابية، شملت المرور على مصانع ومخازن الأعلاف وخاماتها في عدد من المحافظات، بهدف منع أي ممارسات احتكارية أو مخالفات تتعلق بتخزين أو حجب السلع أو التلاعب بالأسعار.
وأوضح التقرير أنه تم تشكيل 176 لجنة تفتيشية، من بينها 19 لجنة مركزية موسعة، قامت بالمرور على 293 مصنعًا ومخزنًا ومحال بيع أعلاف، وأسفرت الحملات عن رصد 26 مخالفة تم تحويلها إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وشملت المخالفات إنتاج أعلاف بدون تراخيص أو تسجيلات، وعدم وجود سجلات إنتاج، وعدم إرسال عينات للتحليل، إضافة إلى البيع بأسعار غير مبررة.

دعم وتدريب صغار المربين
وفي جانب الدعم الفني، تم تنظيم 10 ندوات توعوية وتدريبية لصغار المربين في عدد من المحافظات، بهدف رفع كفاءتهم في مجالات التغذية والرعاية وتحسين الإنتاج، بالتعاون مع عدد من الجهات البحثية والإرشادية المتخصصة.
تعزيز المعروض وضبط الأسعار
كما واصلت الوزارة ضخ كميات من بيض المائدة والدواجن المجمدة عبر منافذها المختلفة ومعارض شهر رمضان، بالإضافة إلى خمسة منافذ تسويقية متحركة، بأسعار أقل من مثيلاتها في الأسواق بنسبة تخفيض تتراوح بين 20% إلى 25%، في إطار جهود ضبط الأسعار وتخفيف العبء عن المواطنين.
فتح آفاق التصدير
وأشار التقرير إلى الموافقة على تصدير منتجات متعددة تشمل أعلاف الأسماك ومصنعات الدواجن والدواجن المجمدة بأنواعها، إلى عدد من الدول العربية والأجنبية، بما يعكس تطور القدرة الإنتاجية المصرية وارتفاع جودة المنتجات وفق المعايير الدولية.
التحول الرقمي بالخدمات
وفي خطوة نحو التحول الرقمي، أكد القطاع تعميم تقديم خدمات التراخيص بشكل إلكتروني عبر المنصات الرسمية، ومنصة مصر الرقمية، وتطبيقات الهواتف المحمولة، بما يتيح سهولة وسرعة في استخراج التراخيص وتقليل الإجراءات الورقية، في إطار توجه الدولة نحو رقمنة الخدمات الحكومية.
ويعكس هذا الحراك المتكامل داخل قطاع الثروة الحيوانية والداجنة توجهًا استراتيجيًا يهدف إلى رفع كفاءة الإنتاج، وضبط الأسواق، ودعم المربين، وتعزيز الأمن الغذائي، بما يواكب متطلبات التنمية الاقتصادية في مصر.



