محمد رزق يكتب .. حرب بلا حسابات: كيف قادت الأخطاء الأمريكية إلى حافة أزمة عالمية؟
في لحظة كان يُفترض أن تُدار فيها الأمور بأقصى درجات الدقة الاستراتيجية، يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية انزلقت إلى مواجهة مفتوحة مع إيران دون امتلاك صورة كاملة أو تقدير حقيقي لحجم المخاطر. ما يحدث الآن لا يعكس فقط صراعًا عسكريًا تقليديًا، بل يكشف عن خلل عميق في تقدير المعلومات الاستخباراتية، وفشل في قراءة تعقيدات المشهد الإقليمي.
منذ الضربة الأولى، اتضح أن التقديرات الأمريكية بشأن القدرات العسكرية الإيرانية لم تكن دقيقة. فعدد الصواريخ، مداها، ودقة إصابتها، كلها عناصر ظهرت بشكل مغاير تمامًا لما كان متوقعًا. الرد الإيراني لم يكن فقط سريعًا، بل أظهر قدرة على إرباك الحسابات الأمريكية وفرض واقع جديد على الأرض، واقع يُدار فيه الصراع وفق قواعد مختلفة تمامًا عما خطط له في واشنطن.
الأخطر من ذلك، أن الحرب لم تعد شأنًا ثنائيًا بين دولتين، بل تحولت إلى أزمة عالمية مكتملة الأركان. فمع تصاعد التوترات وإغلاق مضيق هرمز — أحد أهم شرايين الطاقة في العالم — بدأت التداعيات الاقتصادية تظهر بوضوح. أسعار النفط ترتفع بشكل حاد، سلاسل الإمداد تتعرض للاختناق، والأسواق العالمية تدخل في حالة من القلق غير المسبوق.
العالم اليوم، من أوروبا إلى آسيا، يقف في موقف المتضرر. الجميع يسعى لاحتواء التصعيد ووقف النزيف الاقتصادي، باستثناء إسرائيل التي ترى في استمرار المواجهة فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. هذا التباين في المواقف يعكس حجم الانقسام الدولي، ويزيد من تعقيد أي مسار دبلوماسي محتمل.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة في موقف غير معتاد: قوة عظمى بدأت الحرب، لكنها لم تعد تملك بسهولة قرار إنهائها. فالتراجع يحمل تكلفة سياسية وهيبة دولية، والاستمرار يحمل مخاطر اقتصادية وإنسانية قد تتجاوز حدود السيطرة.
أحد أخطر السيناريوهات المطروحة هو التأثير غير المباشر على الأمن الغذائي العالمي. فتعطّل إمدادات الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي، ينعكس مباشرة على إنتاج الأسمدة النيتروجينية، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في الزراعة الحديثة. ومع استمرار الحرب لشهر إضافي فقط، قد نشهد نقصًا حادًا في هذه الأسمدة، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي عالميًا، ويفتح الباب أمام أزمة غذاء قد ترقى إلى مستوى المجاعة في بعض الدول الأكثر هشاشة.
المعادلة الآن لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية وإنسانية بامتياز. كل يوم تستمر فيه هذه الحرب، يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويقرب العالم خطوة إضافية من أزمة شاملة.
في النهاية، قد تكون المشكلة الأكبر ليست في اندلاع الحرب، بل في غياب خطة واضحة للخروج منها. وبينما تتصاعد النيران في الخليج، يظل السؤال الأهم معلقًا: هل يدرك صناع القرار في واشنطن أن كلفة الاستمرار قد تكون أعلى بكثير من كلفة التراجع؟