من أعماق البحيرات للمزارع العملاقة.. كيف تصنع مصر ثروتها السمكية؟
تتسلل الحياة في قلب المياه، فتتحول البحيرات الهادئة إلى بؤر للنشاط والازدهار، حيث تتلاقى الطبيعة مع الإرادة البشرية في رسم قصة نجاح غير مسبوقة.
ففي مصر، لم تعد الأسماك مجرد غذاء يملأ الموائد، بل أصبحت رمزًا للتنمية المستدامة، وسجلًا حيًا للابتكار في إدارة الموارد، وفرصة لتعزيز الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
فمن بحيرة قارون القديمة إلى المزارع العملاقة على شواطئ بورسعيد وكفر الشيخ، تمتد مشاريع الاستزراع السمكي لتروي حكاية وطن يسعى لتحويل كل قطرة ماء وكل متر أرضي إلى إنتاجية وكفاءة، ليضع مصر على خريطة العالم في مجال الاستزراع السمكي، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمياه.

فعلى مدار العقد الماضي، وضعت مصر قطاع الثروة السمكية على رأس أولوياتها الاستثمارية والغذائية، إذ لم تعد الأسماك مجرد غذاء، بل أصبحت محورًا للتنمية الاقتصادية، وفرصة لتعزيز الأمن الغذائي، ورافعة للاقتصاد المحلي من خلال خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
الاستزراع السمكي
وفي إطار رؤية الدولة، تم إنشاء 9 مشروعات مزارع سمكية موزعة على محافظات مختلفة تشمل شمال سيناء، بورسعيد، الوادي الجديد، الطور، بكلفة إجمالية بلغت 32 مليون جنيه، بهدف زيادة الإنتاج المحلي للأسماك، واستغلال مياه الآبار، وتأمين الحماية للمزارع، بالإضافة إلى إنشاء نظام معلوماتي لرصد الثروة السمكية والتعديات على المستفيدين والمزارع.
فيما تولي الدولة اهتمامًا بالغًا بالثروة السمكية نظرًا لما تمتلكه مصر من أكثر من 10 بحيرات عملاقة، ساهمت في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من الأسماك ذات الجودة العالية، والحد من الاستيراد، وتعزيز فرص التصدير.
ووفقًا لإحصاءات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، تحتل مصر المركز الأول أفريقيًا، والسادس عالميًا في الاستزراع السمكي، والمركز الثالث عالميًا في إنتاج البلطى.
أبرز المشروعات
البداية من مشروع الفيروز للإنتاج السمكي ببورسعيد والذي يمتد على مساحة 26 ألف فدان، ويحتوي على 5,908 أحواض أرضية بطاقة إنتاجية تصل إلى أكثر من 13 ألف طن أسماك وجمبري.
فيما يشمل المشروع بحيرات صيد بحرية، مناطق لوجستية لتخزين الشباك والعلف، وحدات إدارية وصناعية، ويعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط.
أما مشروع بركة غليون بمحافظة كفر الشيخ، فتم افتتحها من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2017، وتعد أكبر مشروع للاستزراع السمكي في الشرق الأوسط، الصديق للبيئة، ويعمل المشروع على تنقية المياه من خلال وحدات معالجة علمية قبل وبعد الاستزراع، مما ساهم في زيادة الثروة السمكية بنسبة 75%.

أما المزرعة النموذجية بمدينة أرمنت بالأقصر فأنشئت على مساحة 4,500 متر مربع، وتوفر من 120 إلى 150 فرصة عمل مباشرة، وتخدم عشرات القرى المجاورة.
بينما مشروعات دمياط والقليوبية والدقهلية فتتضمن أكثر من 1,300 مزرعة سمكية، واستغلال بحيرات المنزلة، وعرب العليقات، والمناطق غير الصالحة للزراعة مثل “الملق”، بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتوفير فرص عمل للمجتمعات الريفية.
تطوير البحيرات والمسطحات المائية
وفي ذلك الصدد وتحت إشراف الرئيس عبد الفتاح السيسي، تم إطلاق المشروع القومي لتنمية البحيرات بالتعاون بين الهيئة الهندسية للقوات المسلحة والهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، حيث شمل تطهير البحيرات، إزالة التعديات، وإعادة بحيرات مثل المنزلة والبردويل إلى وضعها الطبيعي.
كما تم تطوير بحيرات قارون والمنزلة والبرلس، مع إنشاء مناطق لوجستية للاستزراع البحري على طول البحر الأحمر والبحر المتوسط، لتوفير بيئة ملائمة لإنشاء الأقفاص البحرية واستثمارها.
توفير الأمن الغذائي
نتيجة هذا التوسع، بلغ حجم الإنتاج السنوي للأسماك في مصر نحو 2 مليون طن، مع تحقيق نسبة اكتفاء ذاتي تصل إلى 85%، ما وفر فائضًا للتصدير، وعزز القدرة التنافسية للقطاع محليًا وعالميًا.
كما ساهمت هذه المشاريع في خفض أسعار الأسماك، وتوفير البروتين الحيواني بأسعار مناسبة، وخلق آلاف فرص العمل للشباب، ما قلل من الهجرة غير الشرعية ودعم الاقتصاد المحلي.
مفرخات الزريعة
فيما تم إنشاء عدد من مفرخات الزريعة، مثل مفرخ الكيلو 21 بالإسكندرية، وأشتوم الجميل ببورسعيد، والمحاريات بالإسماعيلية، لدعم الإنتاج المحلي من الأسماك البحرية والعذبة، وتوفير الزريعة المطلوبة للنيل وفروعه، وزيادة إنتاجية بحيرات مثل السد العالي.

كما يجري تطوير مفرخات جرف حسين وتوشكى وصحارى وأبو سمبل لإنتاج 80 إلى 100 مليون زريعة سنويًا.
الاستزراع بقناة السويس وسيناء
كما تضمن المشروع استغلال مساحات ضخمة على طول محور قناة السويس، وتوفير أسماك متنوعة، ودعم التنمية العمرانية في المناطق الجديدة، مع توفير 3 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وتوقع زيادة العدد بعد اكتمال المشروع إلى 10 آلاف فرصة في مختلف المهن والتخصصات.
مصر تتصدر أفريقيا والعالم
وبفضل هذه المشاريع، استطاعت مصر أن تحتل المركز الأول على مستوى إفريقيا، والسادس عالميًا في مجال الاستزراع السمكي، والمركز الثالث عالميًا في إنتاج البلطى.
وأصبح القطاع أحد البدائل المهمة للبروتين الحيواني، بأسعار مناسبة للمواطنين، مع فرص استثمارية ضخمة، ما يعزز الأمن الغذائي ويضع مصر على خريطة الاستثمار السمكي عالميًا.

رؤية مستقبلية للاستثمار السمكي
كما تمت الموافقة على طرح 21 منطقة بحرية للاستزراع السمكي، وتوفير مناطق لوجستية على الساحل لتسهيل الاستثمار، مع استمرار تطوير البحيرات والمزارع، ورفع كفاءة الإنتاج، وتوسيع نطاق التصدير، ليصبح قطاع الاستزراع السمكي ركيزة أساسية للتنمية المستدامة والاقتصاد الوطني في مصر.



