رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

الأرض تتكلم بلغة الإنجاز.. مشروع طموح يرسم ملامح الزراعة الحديثة بالشرقية

تعبيرية
تعبيرية

محافظة الشرقية تقف اليوم شاهدًا على تحوّلٍ عميق في فلسفة التعامل مع الأرض والمياه، حيث لم تعد الزراعة مجرد نشاطٍ تقليدي تحكمه العادات، بل أصبحت رؤية واعية تُبنى على التوازن بين الموارد المحدودة واحتياجات المستقبل.

ففي زمنٍ تتزايد فيه التحديات وتتعاظم فيه الضغوط على الموارد الطبيعية، لم يعد الماء رمزًا للوفرة بقدر ما أصبح معيارًا للحكمة في الإدارة، واختبارًا حقيقيًا لقدرة الإنسان على التكيّف والاستمرار.

ومن هنا، تتغير نظرتنا إلى الزراعة، لتتحول من مجرد إنتاجٍ للغذاء إلى منظومة متكاملة تسعى لتحقيق الاستدامة والكفاءة.

القطاع الزراعي المصري

ففي مشهد يعكس تحولات عميقة في القطاع الزراعي المصري، تواصل محافظة الشرقية ترسيخ مكانتها كإحدى أهم قلاع الزراعة الحديثة، من خلال تبني سياسات مبتكرة تستهدف ترشيد استهلاك المياه، ورفع كفاءة الإنتاج، وتحقيق التنمية الزراعية المستدامة.

حيث جاء تدشين المشروع القومي لتأهيل الترع والمساقي والتحول إلى نظم الري الحديث، ليؤكد هذا التوجه، حيث احتضن قصر ثقافة الزقازيق فعاليات ورشة عمل موسعة، نظمتها مديريتا الزراعة والري بالتعاون مع المحافظة، بمشاركة قيادات تنفيذية وخبراء زراعيين، إلى جانب عدد من المزارعين.

نحو تحديث الري

وخلال ورشة، أكد وكيل وزارة الزراعة بالمحافظة أن التحول إلى نظم الري الحديث لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها التحديات المائية الراهنة.

وأوضح أن المديرية نجحت في تحويل 25,778 فدانًا من الأراضي الزراعية من نظام الري بالغمر إلى نظم الري الحديث، متجاوزة المستهدف بنحو 1,778 فدان.

ويعكس هذا الإنجاز وعيًا متزايدًا لدى المزارعين بأهمية هذه النظم، التي تسهم في تقليل الفاقد من المياه، وخفض تكاليف التشغيل، وتحسين جودة المحاصيل، إلى جانب زيادة إنتاجية الفدان.

حجر الأساس للاستدامة

فيما يمثل التحول من الري بالغمر إلى الري بالرش والتنقيط خطوة محورية نحو تحقيق الزراعة المستدامة، إذ يسمح بتوزيع المياه والأسمدة بشكل أكثر دقة وكفاءة، ويحد من الهدر، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية.

كما يساهم في تحسين خصوبة التربة، وتقليل انتشار الحشائش، ما ينعكس إيجابًا على جودة الإنتاج الزراعي وقدرته التنافسية في الأسواق.

الصالحية

وفي قلب هذه النهضة، يبرز مشروع الصالحية الزراعي كأحد أهم نماذج الاستثمار الزراعي المتكامل بالمحافظة، حيث يجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني والتصنيع الزراعي في منظومة واحدة.

فيما لا يقتصر دور المشروع على الإنتاج فحسب، بل يمتد إلى دعم سلاسل الإمداد الغذائي، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن تبنيه أحدث الأساليب العلمية في تربية الماشية وزراعة المحاصيل الاستراتيجية.

ويمثل المشروع نموذجًا عمليًا لتعظيم القيمة المضافة، عبر تحويل المنتجات الزراعية من مواد خام إلى منتجات مصنعة ذات عائد اقتصادي أعلى.

الصوبات الزراعية

كما شهدت المحافظة توسعًا لافتًا في مشروعات الصوبات الزراعية والزراعات المحمية، التي أصبحت ركيزة أساسية في إنتاج الخضروات عالية الجودة.

وتشمل هذه المحاصيل الخيار، والفلفل الألوان، والفاصوليا، إلى جانب الفراولة التي تُزرع باستخدام أنظمة الأبراج الحديثة، ما يتيح إنتاجًا مستمرًا على مدار العام، مع تحكم دقيق في الظروف المناخية.

وتسهم هذه التقنيات في تقليل استهلاك المياه والمبيدات، مع تحقيق إنتاجية أعلى وعائد اقتصادي مجزٍ، الأمر الذي شجع على انتشارها في عدد من مراكز المحافظة.

محاصيل تعزز الاقتصاد

وفي إطار تنويع التركيب المحصولي، تتجه الشرقية إلى التوسع في زراعة محاصيل ذات قيمة اقتصادية مرتفعة، مثل التوت الأزرق، والنخيل، والمانجو، والرمان، والبابايا.

وتحظى هذه المحاصيل بطلب متزايد في الأسواق العالمية، ما يجعلها فرصة حقيقية لتعزيز الصادرات الزراعية، ودعم الاقتصاد المحلي، وتحقيق دخل أعلى للمزارعين.

التصنيع الزراعي

بالتوازي مع زيادة الإنتاج، تشهد الشرقية طفرة في أنشطة التصنيع الزراعي، من خلال إنشاء مناشر لتجفيف النباتات الطبية والعطرية مثل النعناع والريحان، فضلًا عن تجفيف الطماطم وإقامة مصانع للأعلاف.

وتسهم هذه الصناعات في تقليل الفاقد من المحاصيل، وتحويلها إلى منتجات قابلة للتخزين والتسويق، ما يعزز القيمة المضافة للقطاع الزراعي ويفتح آفاقًا جديدة أمام صغار المزارعين.

كارت الفلاح

وضمن جهود التطوير، تم التوسع في ميكنة الجمعيات الزراعية، وإنشاء قواعد بيانات رقمية، إلى جانب تفعيل منظومة “كارت الفلاح”، التي تضمن وصول الدعم لمستحقيه وتحقيق العدالة في توزيع الأسمدة.

وتساعد هذه المنظومة في ضبط سوق المدخلات الزراعية، والحد من التلاعب، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمزارعين.

الأمن الغذائي

فيما تأتي هذه الجهود في إطار رؤية الدولة المصرية، بقيادة عبد الفتاح السيسي، لتحقيق الأمن الغذائي من خلال التوسع في الرقعة الزراعية، وتحسين جودة الإنتاج، وتعزيز القدرة التصديرية.

كما تتكامل هذه المشروعات مع خطط قومية كبرى، مثل مشروع “الدلتا الجديدة”، الذي يستهدف إضافة مساحات زراعية جديدة وتأمين احتياجات البلاد من الغذاء خلال السنوات المقبلة.

منظومة متكاملة

وفي النهاية وفي ضوء هذه الإنجازات، تبرز محافظة الشرقية كنموذج رائد للتحول نحو الزراعة الحديثة في مصر، حيث تتكامل مشروعات الري الحديث مع التصنيع الزراعي والتكنولوجيا الرقمية، لتشكل منظومة متكاملة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.

لتؤكد هذه التجربة أن الاستثمار في الزراعة الذكية لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية لضمان مستقبل غذائي آمن، واقتصاد أكثر قوة واستقرارًا.

تم نسخ الرابط