رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

حين تتحرك الدولة نحو الطبيعة.. مشروع غير تقليدي في قلب الفيوم

تعبيرية
تعبيرية

الفيوم  ليست مجرد رقعة جغرافية تحتضن ملامح الطبيعة، بل مساحة يتجدد فيها السؤال حول علاقة الإنسان ببيئته، وحول قدرته على تحويل الجمال الخام إلى مشروع واعٍ يحمل ملامح المستقبل.

وفي هذا الإطار، تبدو محمية وادي الريان كأكثر من مجرد محمية طبيعية؛ إنها نموذج حيّ لمشروع تطوير تقوده الرؤية، حيث تتقاطع حماية البيئة مع طموحات التنمية.

صناعة القيمة

بدأت القصة بتوجيهات الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة، حيث لم يعد التعامل مع الطبيعة قائمًا على الحماية فقط، بل على إعادة اكتشافها بوصفها شريكًا في صناعة القيمة.

ففي عمق الصحراء، حيث يبدو الصمت كأنه اللغة الأولى للكون، تنبثق الحياة على هيئة مفارقة مدهشة؛ ماءٌ يعانق الرمال، وحركةٌ تنبض في قلب السكون.

فهناك، على بُعد نحو 150 كيلومترًا من القاهرة، تقف محمية وادي الريان كشاهد حيّ على قدرة الطبيعة على إعادة تعريف ذاتها، وكأنها تهمس للإنسان بأن التناقض ليس صراعًا، بل شكل من أشكال الاتساق العميق.

حين تتحول الطبيعة إلى سردية

وتقع المحمية في الجنوب الغربي من محافظة الفيوم، داخل منخفض من الحجر الجيري الإيوسيني، لتشكّل واحدة من أبرز البيئات الطبيعية المتكاملة في مصر.

ويتكون وادي الريان من منظومة بيئية متشابكة، ليست مجرد تضاريس، بل فصول متتابعة من قصة الطبيعة.

تبدأ الحكاية بـ"البحيرة العليا"، التي تمتد على مساحة تقارب 5090 هكتارًا، بمياه قليلة الملوحة وعمق يصل إلى 22 مترًا، ثم تتدرج نحو البحيرة السفلى، الأكبر مساحة (6200 هكتار) والأكثر عمقًا، حيث تبلغ ملوحتها 2.8 جم/لتر وعمقها 34 مترًا.

وبينهما، تتجسد الحركة في منطقة الشلالات، حيث ينساب الماء عبر فرق منسوب يبلغ نحو 20 مترًا، في مشهد يختزل فكرة الانتقال الدائم من حالة إلى أخرى.

التنوع كفلسفة وجود

فيما لا تقتصر المحمية على الماء، بل تمتد إلى عوالم أخرى من التنوع. ففي منطقة عيون الريان، جنوب غرب البحيرة السفلى، تتحرك الكثبان الرملية كأنها كائنات حية، تحرس ثلاث عيون كبريتية طبيعية، وتحتضن بيئة غنية تضم نباتات صحراوية، ونحو 5 أنواع من الحيوانات البرية، و16 نوعًا من الزواحف، وأكثر من 100 نوع من الطيور، بين مقيمة ومهاجرة.

أما جبل الريان أو "مناقير الريان"، فيحمل ذاكرة جيولوجية عميقة، حيث تتناثر الحفريات البحرية، في إشارة إلى زمن كانت فيه هذه الأرض جزءًا من بحرٍ قديم.

ويكمل المشهد جبل المدورة، القريب من البحيرة السفلى، والذي يمنح المكان بعدًا بصريًا فريدًا، يجذب الزوار والباحثين عن التأمل.

سياحة تتجاوز الترفيه

ةفي هذه المساحة التي تبدو بعيدة عن صخب المدن، تتجاوز السياحة مفهومها التقليدي؛ فهنا لا يأتي الزائر لمجرد الترفيه، بل لاكتشاف معنى أعمق للوجود، حيث تتداخل الرياضات البحرية، وركوب الخيل والجمال، مع لحظات التأمل الصامت أمام امتداد الطبيعة.

ومع حلول عيد الفطر المبارك، تجددت دعوى منال عوض عن رفع حالة الاستعداد داخل المحميات الطبيعية، في خطوة تهدف إلى استقبال الزائرين وتقديم تجربة سياحية متكاملة، تجمع بين المتعة والمعرفة.

معادلة دقيقة

فيما تؤكد رؤية وزارة التنمية المحلية والبيئة أن تطوير المحميات الطبيعية لا ينفصل عن خطط التنمية، بل يمثل جزءًا من منظومة متكاملة تسعى لتحقيق الاستدامة.

فالمحميات لم تعد مجرد مناطق للحماية، بل تحولت إلى محركات اقتصادية تدعم المجتمعات المحلية، وتوفر فرص عمل، وتعزز الحرف التراثية.

هذا التوجه يعكس فهمًا أعمق لدور البيئة، ليس بوصفها موردًا يُستهلك، بل شريكًا في التنمية.

ومن هنا، يأتي التركيز على إشراك المجتمعات المحلية، وفتح المجال أمام الاستثمارات البيئية بالشراكة مع القطاع الخاص، بما يضمن تحقيق توازن دقيق بين الحماية والاستغلال.

التكنولوجيا بخدمة الطبيعة

ضمن هذا الإطار، تعمل الوزارة على تطوير إدارة المحميات باستخدام أساليب حديثة، مع توفير عناصر الأمان للزائرين، من خلال فرق إنقاذ وباحثين متخصصين، لا يقتصر دورهم على الحماية، بل يمتد إلى التوعية ونقل المعرفة.

كما يتم التأكيد على مبدأ السياحة البيئية المستدامة: "لا تترك شيئًا خلفك ولا تأخذ شيئًا معك"، وهو مبدأ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في جوهره فلسفة كاملة حول علاقة الإنسان بالطبيعة.

الطبيعة كمرآة للإنسان

في النهاية، لا يمكن النظر إلى محمية وادي الريان باعتبارها مجرد مقصد سياحي، بل هي تجربة وجودية، تعيد الإنسان إلى جذوره الأولى، وتضعه أمام سؤالٍ جوهري: كيف يمكننا أن نعيش في هذا العالم دون أن نخلّ بتوازنه؟

هنا، حيث تتجاور المياه والصحراء، وتلتقي الحياة بالماضي الجيولوجي، يدرك الزائر أن الطبيعة ليست مجرد خلفية لحياتنا، بل هي النص الأصلي الذي نحاول، عبثًا أحيانًا، أن نعيد كتابته.

تم نسخ الرابط