بئر “السلطان الحنفي”.. لماذا تتحول إلى مقصد روحي للمصريين في رمضان؟
لماذا يقصد المصريون بئر جامع السلطان الحنفي في رمضان؟ سؤال يفتح بابًا لحكاية ممتدة في الوجدان الشعبي لأكثر من ستة قرون، حيث تتحول البئر الصغيرة إلى مقصد روحي يعكس طبيعة التدين المصري المرتبط بالأمل والرجاء.
أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن منطقة السيدة زينب خلال شهر رمضان تشهد حالة خاصة، خاصة عند المرور بجوار الجامع، حيث لا يُنظر إليه كمجرد مسجد، بل كرمز لحكاية إنسانية وروحية عميقة.
وأوضح أن “السلطان الحنفي” لم يكن سلطانًا بالمعنى السياسي، بل لقب أطلقه عليه الناس تقديرًا لمكانته الروحية، بعدما نشأ يتيمًا، وحفظ القرآن، وعمل في بيع الكتب، قبل أن يتجه إلى الخلوة في سن مبكرة ويخرج بعدها صاحب تأثير واسع في نفوس الناس.
وأشار إلى أن التراث الصوفي تناول سيرته بإشارات مبكرة، حيث ذُكر اسمه في كتابات كبار العلماء مثل ابن عطاء الله السكندري، نقلًا عن أبو العباس المرسي، بل إن الإمام الشاذلي أشار إلى ظهوره قبل ميلاده، فيما أفاض الإمام الشعراني في الحديث عن مكانته.
وتعود بداية قصة البئر إلى موقف بسيط حين طلب الفقراء من الشيخ إنشاء بئر للوضوء، فغرس عصاه في الأرض معلنًا: “هذه البئر”، لتتفجر المياه بعدها وتصبح رمزًا للأمل، رغم اختفاء مصدرها، ما جعلها مرتبطة باسمه كعلامة على الرجاء وليس كظاهرة خارقة.
وأوضح منير أن البئر تحولت مع الوقت إلى مقصد روحي، يقصده الناس حاملين همومهم وأمانيهم، من أم ترجُو شفاء طفلها، إلى شاب يبحث عن رزق، أو فتاة تدعو بالستر، حيث ارتبطت في الوعي الشعبي بفكرة الدعاء المستجاب، خاصة في الأوقات الروحانية بين المغرب والتراويح خلال رمضان.
وشدد على أن تعلق المصريين بهذه البئر لا يعكس إيمانًا بالخرافة، بل يعبر عن فهم خاص لدور “الولي” كرمز للطمأنينة والدعم النفسي، دون أن يكون بديلًا عن العمل أو العلاج أو السعي. وأضاف أن السلطان الحنفي عُرف بتواضعه ودعوته لمجاهدة النفس، حتى رحل عن الدنيا دون مظاهر، تاركًا أثره في القلوب.
واختتم بأن بئر السلطان الحنفي أصبحت جزءًا من الذاكرة الروحية للقاهرة، تتجدد حكايتها كل رمضان، لتعكس جانبًا من الشخصية المصرية التي ترى في هذا الشهر موسمًا للأمل وقربًا من السماء.