يد تبني وأخرى تحاسب.. مشاريع تحمل رسالة الدولة من الملاعب
في مسيرة الدول نحو التقدم، لا يكفي أن تُشيَّد المباني وتُرفع كفاءة المنشآت، فالبناء الحقيقي لا يكتمل إلا حين يقترن بالإدارة الرشيدة والرقابة الصارمة.
فالتنمية ليست مجرد خرسانة تُصبّ أو ملاعب تُفتتح، بل منظومة متكاملة تتداخل فيها إرادة البناء مع آليات المحاسبة، ليبقى العمل العام قائمًا على معادلة دقيقة، من يعمل يُكافأ، ومن يقصر يُحاسب.

نحو المستقبل
ولهذا تبدو الدول التي تسير بثبات نحو المستقبل وكأنها تتحرك بيدين متوازيتين؛ يدٌ تبني وتطور وتفتح آفاقًا جديدة للخدمات والبنية التحتية، وأخرى تراقب وتحاسب وتحافظ على ما تم إنجازه من أن يبدده الإهمال أو التقصير.
وبين هاتين اليدين تتشكل فلسفة الإدارة الحديثة التي تجعل التنمية عملية مستمرة لا تتوقف عند حدود الافتتاحات، بل تمتد إلى ضمان جودة الأداء واستدامة الخدمة.
وفي هذا السياق، تعكس التطورات الأخيرة داخل عدد من مراكز الشباب بمحافظة القاهرة هذه الفلسفة بوضوح؛ حيث تزامنت أعمال تطوير ورفع كفاءة بعض المراكز مع جولات تفتيشية كشفت عن أوجه قصور في مراكز أخرى، لتؤكد أن مسار الدولة في قطاع الشباب والرياضة لا يقوم فقط على التحديث والبناء، بل يقوم أيضًا على المتابعة والمساءلة، في تجسيد عملي لمبدأ «يد تبني وأخرى تحاسب».
تطوير مركزي شباب عابدين وعين الصيرة
بدات القصة في إطار خطة الدولة لتطوير مراكز الشباب ورفع كفاءتها لتكون مؤسسات خدمية حقيقية تستوعب طاقات الشباب وتوفر لهم بيئة رياضية وثقافية متكاملة؛ حيث شهدت محافظة القاهرة تنفيذ أعمال تطوير ورفع كفاءة مركزي شباب عابدين وعين الصيرة بتكلفة بلغت نحو 3.5 مليون جنيه.
وشملت أعمال التطوير بمركز شباب عابدين مجموعة من المشروعات الحيوية، من بينها تطوير المبنى الإداري ونُزل الشباب، بالإضافة إلى إنشاء ملعب كرة قدم بنجيل صناعي، بما يتيح للشباب ممارسة الأنشطة الرياضية في بيئة مناسبة ومجهزة.
كما تم افتتاح ملعب سباعي بنظام حق الانتفاع، وهو ما يسهم في تعظيم الاستفادة الاقتصادية من المنشآت الرياضية وضمان استدامة تشغيلها.

أما في مركز شباب عين الصيرة، فقد تضمنت أعمال التطوير افتتاح ورفع كفاءة حمام سباحة نصف أوليمبي بنظام حق الانتفاع، في خطوة تهدف إلى دعم الأنشطة الرياضية المائية وإتاحة خدمات رياضية متطورة لأبناء المنطقة، بما يتماشى مع توجه الدولة نحو تحديث البنية الرياضية في مختلف المحافظات.
هذه التطويرات تأتي ضمن رؤية أوسع تستهدف تحويل مراكز الشباب إلى مراكز مجتمعية متكاملة تقدم خدمات رياضية وثقافية واجتماعية، وتكون نقطة جذب للشباب والأسر على حد سواء.
جولة مفاجئة
وفي موازاة جهود التطوير والبناء، جاءت جولة تفقدية مفاجئة لوزير الشباب والرياضة جوهر نبيل لعدد من مراكز الشباب في محافظتي القاهرة والجيزة، لتؤكد أن عملية الإصلاح لا تقتصر على تطوير المنشآت فحسب، بل تمتد كذلك إلى ضبط الأداء الإداري ومحاسبة المقصرين.
وكشفت الجولة عن وجود عدد من المخالفات وأوجه القصور داخل بعض المراكز، الأمر الذي دفع الوزير إلى اتخاذ سلسلة من القرارات الحاسمة لضمان انتظام العمل وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
قرارات حاسمة
وفي ضوء ما تم رصده خلال الجولة، أصدر وزير الشباب والرياضة قرارًا بـ "حل مجلس إدارة مركز شباب الحوتية، بعد أن تبين أن المركز مغلق ولا يتواجد به موظفو الفترة الصباحية.
كما تقرر إحالة جميع العاملين بالمركز للتحقيق، إلى جانب إحالة مسؤولي عدد من مراكز الشباب الأخرى للتحقيق بمعرفة مديريتَي الشباب والرياضة بالقاهرة والجيزة، وتشمل مراكز شباب: "ميت عقبة، زينهم، المنيل، أبو السعود، السيدة نفيسة، والسيدة زينب".

فيما لم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، إذ قرر الوزير كذلك إحالة عدد من مسؤولي المناطق إلى التحقيق، من بينهم مديرو مناطق العجوزة، والخليفة والمقطم والسيدة زينب، ومصر القديمة، نظرًا لوقوع المراكز المخالفة ضمن نطاق إشرافهم.
مخالفات متنوعة
ورصدت الجولة التفقدية عددًا من أوجه القصور التي عكست وجود خلل في الإدارة أو الإهمال في بعض المواقع، ومن أبرزها مركز شباب الحوتية؛ حيث كشفت الجولة غلق المركز وعدم تواجد موظفي الفترة الصباحية.
أما مركز شباب ميت عقبة، فكشف عن تردي الحالة العامة للمركز ووجود متعلقات غير تابعة له، ومركز شباب زينهم، سوء حالة حمام السباحة وتراجع مستوى النظافة والإهمال في حفظ المعدات الخاصة بالمركز.
بينما مركز شباب المنيل، حق عليه العقاب عقب غياب المدير التنفيذي وعدم تواجد موظفي الفترة الصباحية؛ وكذا مركز شباب أبو السعود غياب المدير التنفيذي وعدم تواجد الموظفين خلال ساعات العمل الرسمية.
أما مركز شباب السيدة نفيسة، فسوء حالة صالة اللياقة البدنية، كانت السبب في العقوبة، بينا مركز شباب السيدة زينب فحق عقابه بسبب تدني مستوى النظافة ووجود خردة ومخلفات، إضافة إلى سوء حالة دورات المياه.
نموذج يستحق التكريم
وفي مقابل هذه المخالفات، كشفت الجولة أيضًا عن نماذج إيجابية في الإدارة والانضباط. فقد قرر وزير الشباب والرياضة تكريم مجلس إدارة مركز شباب عين الصيرة، تقديرًا لما لمسه من التزام إداري وحسن إدارة للمركز والحفاظ على منشآته والعمل المستمر على تطويرها.

ويمثل هذا التكريم رسالة واضحة بأن المحاسبة لا تقتصر على العقاب فقط، بل تمتد أيضًا إلى تشجيع النماذج الناجحة وتحفيزها.
منظومة إصلاح متكاملة
وأكد وزير الشباب والرياضة أن التحقيقات الجارية تأتي في إطار تنظيم العمل الداخلي داخل مراكز الشباب وضبط الأداء الإداري، مشددًا على ضرورة محاسبة كل من يثبت تقصيره في أداء واجباته الوظيفية.
كما شدد على سرعة الانتهاء من التحقيقات وعرض نتائجها خلال 48 ساعة، بما يضمن اتخاذ الإجراءات المناسبة في أسرع وقت، ويعيد الانضباط إلى منظومة العمل داخل مراكز الشباب.

رسالة الدولة
وتعكس هذه التطورات صورة واضحة لسياسة الدولة في إدارة قطاع الشباب والرياضة؛ فبينما تتواصل جهود تطوير البنية التحتية الرياضية وتحديث مراكز الشباب، تتوازى معها آليات رقابية صارمة لضمان حسن الإدارة وتقديم الخدمات بالشكل اللائق للمواطنين.
وهكذا يتجسد على أرض الواقع شعار "يد تبني وأخرى تحاسب"؛ يد تعمل على إنشاء وتطوير المنشآت وتوسيع الخدمات المقدمة للشباب، وأخرى تراقب وتحاسب كل من يقصر في أداء دوره، بما يضمن استدامة مسيرة التطوير وتحقيق الاستفادة الحقيقية للمجتمع.



