في قلب الجدل.. الدكتور علي جمعة يكشف عن رؤية الهلال بين العلم والدين
في خضم الجدل المتجدد بين الرؤية البصرية للهلال والحسابات الفلكية الدقيقة، يطل علينا الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء ومفتى الديار الأسبق، برسالة تأملية تتجاوز مجرد التقويم، لتذكرنا بأن الزمن والسماء ليستا مجرد أرقام وحسابات، بل هما مساحة تتلاقى فيها العقل البشري مع حكمة الطبيعة.
فالخلاف بين الرؤية والرصد الفلكي ليس صراعًا بين العلم والدين، بل هو دعوة للتفكر في توازن الإنسان بين ما يُرى وما يُحسب، بين التجربة المباشرة والمعرفة النظرية، حيث يكمن سر الانسجام بين العلم والفطرة في فهم الطبيعة بما يحقق سلامة النظر والروح معًا.
وقال جمعة :"كل عام يتجدد الجدل حول رؤية الهلال والحساب الفلكي: هل نصوم بالرؤية؟ أم بالحساب؟ ولماذا تختلف بعض البلدان في بداية رمضان أو نهايته؟؛ والحقيقة أن هذه المسألة ليست أزمة طارئة، ولا خللًا في الشريعة، بل هي من المسائل التي وسع فيها الفقه الإسلامي، وبحثها العلماء قديمًا وحديثًا".
وتابع :" فمن أهل العلم من قال باختلاف المطالع، وهو مذهب معتبر عند الإمام الشافعي وغيره؛ ومعناه أن البلدان قد تختلف في رؤية الهلال، فيجوز أن تصوم دولة قبل أخرى، أو تفطر قبل أخرى، بحسب ظهور الهلال عندها. وهذا في نفسه ليس إشكالًا، لأن أصل المذاهب الفقهية لا ترى حرجًا في أن يصوم كل بلد بحسب رؤيته.
وفي المقابل، مال بعض العلماء إلى القول بتوحيد الرؤية بين المسلمين، خاصة في العصر الحديث، ومن أشهر من كتب في ذلك الشيخ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه: «توجيه الأنظار في اتحاد الرؤية في الصيام والإفطار».
وأضاف عضو هيئة كبار العلماء :" ووجه هذا الرأي أن العالم الإسلامي، مع اتساعه من غانا إلى فرغانا، ومن طنجة إلى جاكرتا، صار اليوم أقرب إلى أن يكون نطاقًا متصلًا، لا سيما بعد الثورة الكبرى في الاتصالات والمواصلات ووسائل الرصد، حتى أصبح العالم كأنه قرية واحدة، يصل خبر الرؤية فيه في لحظته، بعد أن كان في الأزمنة الماضية يتأخر أيامًا.

ومن هنا قويت عند كثير من المعاصرين فكرة السعي إلى جمع المسلمين على رؤية واحدة ما أمكن، أو على الأقل تقليل دائرة الاختلاف، خاصة مع تطور وسائل الرصد الحديثة. فالرؤية اليوم لم تعد مقصورة دائمًا على العين المجردة، بل دخلت فيها المناظير والتلسكوبات والوسائل البصرية الدقيقة، وهي ما يسمى أحيانًا بـ العين المسلحة، في مقابل العين المجردة التي ترى بلا آلة. ولهذا صارت كثير من الرؤى المعاصرة تعتمد على الوسائل الحديثة التي تكشف الهلال في وقت لا تكاد العين المجردة تدركه.
كما أن الحساب الفلكي، الذي كان قديمًا محل خلاف بين العلماء: هل يُعتدّ به أو لا يُعتدّ به؟ صار اليوم حاضرًا بقوة في النقاش الفقهي المعاصر، لا سيما مع ما بلغه من دقة شديدة. ولذلك انعقدت مؤتمرات علمية وفقهية، وخرجت بجملة من الضوابط، منها: جواز الاستعانة بالرؤية بالآلات الحديثة، وجواز الاستفادة من الحساب الفلكي في ضبط المسألة، والسعي إلى تقليل الاضطراب وجمع كلمة المسلمين ما أمكن".
واردف :" لكن مع هذا التفصيل كله، تبقى القاعدة العملية الأهم لعامة الناس واضحة وبسيطة:صُمْ مع بلدك، وأفطر مع بلدك.
فليس مطلوبًا من كل مسلم أن يدخل كل عام في خصومة فقهية أو فلكية، ولا أن يحول هذه المسألة إلى ساحة نزاع وتخطئة، وإنما المطلوب أن يلتزم جماعة المسلمين في البلد الذي هو فيه، حتى تبقى العبادة سببًا للاجتماع لا سببًا للفرقة.
ومن هنا أيضًا تُفهم مسائل السفر بين البلدان: فلو أن إنسانًا بدأ الصيام في بلد، ثم انتقل إلى بلد آخر يختلف عنه في بداية الشهر أو نهايته، فإنه يصوم مع البلد الذي هو فيه، ويفطر معهم. فإن ترتب على ذلك أن يكون مجموع ما صامه واحدًا وثلاثين يومًا، فلا حرج عليه، لأنه تابع البلد الذي نزل فيه. وإن ترتب على ذلك أن يكون ما صامه ثمانية وعشرين يومًا، فإنه يفطر مع البلد الذي هو فيه أيضًا، ثم يقضي يومًا بعد العيد؛ لأن الشهر القمري لا يكون أقل من تسعة وعشرين يومًا.
وكذلك من المهم التنبيه إلى مسألة يوم الشك، وهو اليوم الذي لم يثبت فيه دخول رمضان، ومع ذلك يريد بعض الناس أن يصوموه احتياطًا. وهذا مما نهت عنه الشريعة؛ لأن الله لم يجعل هذا الدين مبنيًا على الوسوسة والتشدد، وإنما بناه على الوضوح واليسر ورفع الحرج.
فالخلاصة أن مسألة رؤية الهلال والحساب الفلكي مسألة فقهية اجتهادية، لا يجوز أن تتحول إلى باب للتشاحن أو التبديع أو اتهام الناس في دينهم. وفيها آراء معتبرة عند أهل العلم قديمًا وحديثًا، والمقصود منها في النهاية أن ينتظم أمر الناس، وتجتمع كلمتهم، ويعبدوا الله على بصيرة وطمأنينة.
رمضان شهر عبادة ووحدة ورحمة، لا شهر خصومات موسمية.
فإذا اختلفت الاجتهادات، فلا ينبغي أن تختلف القلوب.


