مدينة ماضي الأثرية في الفيوم.. «الأقصر الجديدة» التي تحمل تاريخ 4 آلاف عام
تقع محافظة الفيوم في قلب مصر، وتحفل بالعديد من المدن الأثرية التي تؤرخ لعصور حضارية متعددة، لكن من بين هذه الكنوز التاريخية تبرز مدينة ماضي الأثرية كأحد أهم المواقع الأثرية في مصر، يقصدها آلاف الزائرين سنويًا لما تمثّله من إرث حضاري يمتد عبر آلاف السنين، ويجسد مراحل بارزة من تاريخ الدولة الوسطى والعصور اللاحقة التي تلاها.
ماضي.. إرث ملكي يعود إلى الدولة الوسطى
ترجع أصول مدينة ماضي الأثرية إلى عهد الملكين أمنمحت الثالث وأمنمحت الرابع من الأسرة الثانية عشر (حوالي 1900 ق.م)، وقد شُيّد فيها معبد كبير مكرّس لعبادة الإلهين كوبرا «وننوتت» والتمساح «سوبك»، وكان هذا المعبد يعد -بحسب علماء الآثار- من أكبر المعابد في الدولة الوسطى في مصر.
وبعد انتهاء دور المعبد في العصر الفرعوني، غطته الرمال تدريجيًا حتى بدا كأنه مختفٍ عن الأنظار، قبل أن يعود إلى الظهور في العصور اللاحقة، مع تطوّر الحياة الحضارية في المنطقة.
الموقع الجغرافي والوصول
تقع مدينة ماضي غرب محافظة الفيوم، على بُعد حوالي 35 كيلومترًا من مركز المحافظة، بالقرب من عزبة الكاشف جنوب بحر البنات. يمكن الوصول إلى الموقع من الفيوم عبر طريق يمر بـ قرية أبو جندير ثم إلى بحر البنات ومنها إلى موقع المدينة الأثرية، وهو موقع يجمع بين جمال الطبيعة وروعة الآثار.

اكتشاف المدينة.. جهود علمية مشتركة
يُعزى الفضل في إعادة الكشف عن مدينة ماضي مرة أخرى إلى الأبحاث العلمية التي أجرتها بعثات جامعة بيزا الإيطالية بالتعاون مع فرق من الأثريين والمرممين المصريين منذ أواخر القرن العشرين.
وقد كشف العمل الأثري أن معبد ماضي هو المعبد الوحيد المتبقي من الدولة الوسطى في مصر المزخرف بالنقوش الهيروغليفية والمناظر المنحوتة، ما يجعله ذا قيمة فنية وتاريخية عالية.
معالم المدينة وأقسامها الأثرية
تضم مدينة ماضي مجموعة متكاملة من المعالم الأثرية التي امتدت عبر عصور متعددة، إذ تحتوي على:
ثلاثة معابد رئيسية تمثل فترات مختلفة من التاريخ المصري القديم.
مقصورة إيزيس، أحد أبرز الأماكن الدينية والطقوسية.
طريق الاحتفالات الذي كان مسارًا لعبّاد ومواكب الطقوس الدينية في العصور المختلفة.
تماثيل الأسود والرأس الإنسانية، إضافة إلى تماثيل أبو الهول المميزة.
الميدان الروماني الذي يعكس التأثير الثقافي خلال العصر الروماني.
بسبب هذا التنوع الحضاري، وصف الأثريون موقع ماضي بـ «الأقصر الجديدة»، نظرًا لثرائه التاريخي وتنوع القطع الأثرية التي مزجت بين عصور الفرعنة، البطلمية، الرومانية والقبطية.
التاريخ القِدَمي والحضارات المتعاقبة
وفقًا لكتاب “وصف مصر” الذي أعده فريق العلماء بتكليف من الحملة الفرنسية، ورد اسم مدينة ماضي على خرائط الفيوم، مما يؤكد استمرارية ارتباط الموقع بتاريخ مصر لأكثر من 4000 سنة.
خلال العصر البطلمي، أعاد بطليموس الثاني وخلفاؤه إحياء المدينة تحت اسم يوناني هو “نارموثيس”، وتم ترميم المعبد وتوسيعه في جهتيه الجنوبية والشمالية، مع بناء سور طويل يحيط بأرضه المقدسة، مما أضفى على الموقع طابعًا حضاريًا واسعًا.
أما في عهد الإمبراطور دقلديانوس، فقد أنشئ معسكر روماني في المدينة مجهّزًا بصهاريج وشبكة قنوات، وكان هذا المعسكر يستضيف جنود كتيبة كوهوس الرابع، مما يؤكد أهمية الموقع الاستراتيجية في تلك الحقبة.
ماضي في العصر القبطي والعربي
خلال الفترة القبطية استقر السكان في الجزء الجنوبي من الموقع، وشُيّدت هناك كنائس متعددة خلال القرنين الخامس والسابع، وفقًا لما كشفت عنه الحفائر الأثرية.
وفي العصر العربي بين القرن الثامن والحادي عشر، أسهم العرب في إقامة بعض أجزاء المدينة، ما يعكس تتابع الحضارات وتداخلها في نفس المكان عبر القرون.
ماضي اليوم.. مقصد للزائرين وعنوان للحضارة
اليوم، أصبحت مدينة ماضي الأثرية واحدة من أهم الوجهات السياحية في محافظة الفيوم، ليس فقط لأنها تحمل بين أنقاضها آثار آلاف السنين، بل لأنها تمثل تقاطع الحضارات في مصر، من الدولة الوسطى، مرورًا بالعصر البطلمي والروماني، حتى العصر القبطي والعربي.
ويزورها آلاف السائحين سنويًا من المصريين والأجانب الراغبين في استكشاف تاريخ غني يمتد عبر آلاف السنين، وهو ما يجعلها من أبرز المواقع الأثرية التي تستحق الزيارة والتقدير.





