هافانا بلا بنزين.. الدراجات ثلاثية العجلات والركشة بديل سيارات الأجرة في كوبا
تشهد شوارع هافانا تحوّلًا غير مسبوق في مشهد النقل الحضري، بعدما دفعت أزمة الوقود الحادة سائقي سيارات الأجرة إلى التخلي عن مركباتهم التقليدية العاملة بالبنزين والديزل، والاتجاه نحو الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات وعربات الـ«رّكشة» كبدائل عملية وأقل تكلفة.
هذا التحول الذي يصفه مراقبون بـ«الثورة الخضراء الاضطرارية» لم يكن نتيجة خطة حكومية طويلة الأمد، بل جاء استجابة مباشرة لأزمة طاقة خانقة تعصف بـكوبا منذ أسابيع، وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية والعقوبات.
أزمة وقود تضرب قطاع النقل في كوبا
تعاني كوبا من نقص حاد في الوقود تفاقم بعد توقف إمدادات النفط القادمة من فنزويلا، في ظل توترات سياسية وعقوبات تقودها الولايات المتحدة، ما انعكس مباشرة على قطاع النقل العام والخاص في البلاد.
وأجبرت الحكومة الكوبية على اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة، شملت:
وقف بيع الديزل مؤقتًا
تقنين توزيع البنزين
تقليص خدمات النقل العام
فرض خطط لترشيد استهلاك الطاقة
هذه التدابير أدت إلى تقلص أعداد سيارات الأجرة الخاصة في العاصمة، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل، ما جعل استمرار العمل بالمركبات التقليدية أمرًا شبه مستحيل لكثير من السائقين.
الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات.. «ملكة الطرق» الجديدة
في مواجهة هذا الواقع، بدأ عدد متزايد من سائقي الأجرة التحول إلى استخدام الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات، وهي مركبات تتسع عادة لما بين 6 و8 ركاب.
ويقول إدواردو رومانو، وهو سائق أجرة وأب لطفلين، إن أزمة البنزين والديزل دفعته للتخلي عن سيارته والاعتماد على الدراجة الكهربائية كبديل يتيح له مواصلة العمل وتوفير دخل لأسرته. وأكد أن هذه المركبات باتت تُعرف في الشارع الكوبي بأنها «ملكة الطرق» نظرًا لانتشارها المتزايد.
وتتميز هذه الوسيلة بعدة مزايا:
تكلفة تشغيل أقل مقارنة بالسيارات التقليدية
عدم الاعتماد على الوقود الأحفوري
أسعار نقل أكثر ملاءمة للركاب
صيانة أبسط نسبيًا
لكن رغم هذه الإيجابيات، فإن التحول لم يكن خاليًا من التحديات.
أزمة كهرباء تعقّد المشهد
تعاني هافانا من انقطاعات يومية في التيار الكهربائي قد تصل إلى 12 ساعة، نتيجة نقص الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وهذا الوضع يفرض معضلة جديدة أمام مالكي الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات، إذ يتعين عليهم انتظار عودة التيار لشحن بطاريات مركباتهم، أو اللجوء إلى منازل أقارب وأصدقاء يمتلكون مولدات كهربائية أو ألواحًا شمسية.
وبالتالي، فإن التحول من أزمة وقود إلى اعتماد على الكهرباء لا يعني نهاية المعاناة، بل انتقالها إلى مستوى مختلف من التحديات المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة.
عودة «الرّكشة» كوسيلة مقاومة للأزمات
إلى جانب الدراجات الكهربائية، استعادت عربات «الرّكشة» مكانتها في شوارع هافانا كخيار نقل بديل.
وبعض مالكي هذه العربات سارعوا إلى تزويدها بمحركات كهربائية لمواكبة الواقع الجديد، ما جعلها وسيلة هجينة تجمع بين الطابع التقليدي والتكنولوجيا الحديثة.
ويؤكد إغناسيو شارون، موظف في ورشة إصلاح إطارات، أن كثيرًا من المواطنين أعادوا إحياء دراجاتهم القديمة لاستخدامها في التنقل اليومي، فيما اضطر بعض العمال إلى ترك وظائفهم بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف المواصلات.
ويرى شارون أن سيارات الأجرة العاملة بالوقود قد تختفي تدريجيًا إذا استمرت الأزمة، لتحل محلها وسائل نقل أخف وأقل اعتمادًا على الوقود التقليدي.
أبعاد اجتماعية واقتصادية للأزمة
الأزمة لم تؤثر فقط على سائقي الأجرة، بل طالت مختلف شرائح المجتمع.
تصف روزيليا لوبيز، وهي طبيبة أسنان في منتصف الخمسينات، الوضع بأنه «كارثي»، خصوصًا مع صعوبة تنقل المرضى وكبار السن للحصول على الرعاية الصحية.
في المقابل، يرى بعض سائقي الدراجات الكهربائية أنهم يقدمون «حلًا مؤقتًا» يخفف من معاناة السكان، رغم اعترافهم بأن عدد المركبات الكهربائية المتاح حاليًا لا يكفي لتلبية الطلب المتزايد.
هل تتحول الأزمة إلى تحول دائم في منظومة النقل؟
يرى مراقبون أن ما يحدث في كوبا قد يشكل نموذجًا استثنائيًا لتحول قسري نحو النقل الكهربائي منخفض التكلفة، وإن كان مدفوعًا بالأزمة لا بالسياسات البيئية.
ففي ظل استمرار:
نقص الوقود
العقوبات الاقتصادية
ضعف البنية التحتية للطاقة
قد تصبح الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات وعربات الركشة مكونًا دائمًا في منظومة النقل الحضري الكوبية، حتى بعد انحسار الأزمة.
فرضت أزمة الوقود في كوبا واقعًا جديدًا على قطاع النقل، حيث تحولت شوارع هافانا إلى ساحة لانتشار الدراجات الكهربائية ثلاثية العجلات وعربات الركشة كبدائل لسيارات الأجرة التقليدية.
وبينما تمثل هذه المركبات حلًا عمليًا قصير الأمد، فإنها تكشف في الوقت نفسه هشاشة منظومة الطاقة في البلاد، وتعكس كيف يمكن للأزمات الاقتصادية والسياسية أن تعيد تشكيل أنماط الحياة اليومية ووسائل التنقل بشكل جذري.



