زكي رستم.. راهب الفن رفض فيلما عالميا دفاعا عن العرب
في مثل هذا اليوم 16 فبراير 1972، رحل عن عالمنا أحد أعمدة التمثيل في مصر والعالم العربي، الفنان الكبير زكي رستم، الذي لقب بـ«راهب الفن» لالتزامه الصارم واندماجه الكامل في أدواره، حتى بات حضوره على الشاشة مرادفًا للقوة والهيبة.

اختارته مجلة «باري ماتش» الفرنسية ضمن أفضل عشرة ممثلين في العالم لإجادته تجسيد شخصيتي المسكين والشرير ببراعة نادرة، كما وصفته مجلة «لايف» الأمريكية بأنه من أعظم ممثلي الشرق، وحصل على وسام العلوم والفنون من الرئيس جمال عبد الناصر تقديرًا لمشواره ومواقفه الوطنية.
ابن الباشا الذي تمرّد من أجل الفن
ولد زكي محرم محمود رستم عام 1903 في قصر جده اللواء محمود رستم باشا بحي الحلمية، وسط عائلة أرستقراطية عريقة. كان والده محرم بك رستم صديقًا للزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد.

لكن الابن اختار طريقًا مختلفًا؛ عشق التمثيل منذ دراسته الثانوية، وانضم إلى فرقة رمسيس عام 1925، ثم إلى الفرقة القومية عام 1935. وحين أصر على احتراف الفن وترك الدراسة الجامعية، طردته والدته من المنزل، ليبدأ رحلة صعوده الشاقة.
اندماج أرعب نجمات عصره
عرف زكي رستم بمدرسة «الاندماج الكامل»، فكان يعيش الشخصية حتى خارج الكاميرا. كثير من الفنانات خفن العمل أمامه بسبب صدقه المفرط في أداء مشاهد العنف، ومنهن ماجدة الصباحي في فيلم أين عمري، حيث بدت الصفعات حقيقية لقوة اندماجه.

ورغم تجسيده أدوار الشر ببراعة في أفلام مثل رصيف نمرة 5 والفتوة، إلا أن المقربين منه أكدوا أنه كان إنسانًا هادئًا، محبًا للعزلة، يبتعد عن الأضواء فور انتهاء التصوير.
أكثر من 250 فيلمًا.. و8 أعمال ضمن الأفضل
شارك زكي رستم في ما يزيد على 250 فيلمًا، من بينها ثمانية أعمال اختيرت ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، مثل: العزيمة، السوق السوداء، صراع في الوادي، امرأة على الطريق، والحرام (آخر أفلامه أمام فاتن حمامة).

وكان فيلم «زينب» الصامت بوابته إلى السينما، بعد أن اختاره المخرج محمد كريم، لتتوالى بعدها أدواره التي رسّخت مكانته كأحد «ملوك الشر» إلى جانب محمود المليجي.
موقف وطني لا ينسى
في عام 1962، تلقى عرضًا من شركة «كولومبيا» العالمية للمشاركة في فيلم أجنبي يسيء إلى العرب، لكنه رفضه رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أن الفن لا ينفصل عن الموقف الوطني. وكان هذا القرار سببًا في تكريمه رسميًا ومنحه وسام الفنون والعلوم.

نهاية حزينة تليق بكبريائه
في سنواته الأخيرة، أصيب بضعف في السمع أثر على أدائه، لكنه رفض ارتداء سماعة طبية أمام الكاميرا حفاظًا على صورته الفنية، فاعتزل عام 1968، وعاش في عزلة حتى رحيله في 16 فبراير 1972.

رحل زكي رستم، لكن مدرسته في الأداء الصادق والاندماج الكامل بقيت علامة فارقة في تاريخ الفن العربي، شاهدة على فنان آمن بأن الكرامة فوق الشهرة، وأن الفن موقف قبل أن يكون مهنة.