السويس على أعتاب تحول كبير.. 11 مليون دولار تعيد ترتيب المشهد الصناعي
السويس تلك المدينة التي اعتادت أن تكون بوابة العبور بين الجغرافيا والتاريخ، تقف اليوم على تخوم مرحلة جديدة من التحول الصناعي، حيث لا تُبنى المصانع فحسب، بل تُصاغ ملامح اقتصادٍ يتطلع إلى الاكتفاء والقيمة المضافة؛ هنا في المنطقة الصناعية بالسخنة، لا يُوقَّع عقد استثماري عابر، بل تُنسَج خيوط رؤية تتقاطع فيها إرادة الدولة مع طموح القطاع الخاص، في معادلة تبحث عن المعنى قبل الربح، وعن الاستدامة قبل الأرقام.
فالمشروعات الصناعية ليست كتلًا من الخرسانة والحديد، بل تجسيدٌ لفكرةٍ أعمق، تؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ حين يتحول الموقع الجغرافي إلى ميزة تنافسية، والموارد إلى صناعة، والاستثمار إلى فرصة عمل وأمل ممتد.

الأمن الغذائي
ومن هذا المنطلق، يأتي المشروع الجديد ليعكس فلسفة اقتصادية ترى في الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والتصنيع المحلي ركائز لسيادة القرار الاقتصادي.
وفي ذلك الصدد في خطوة جديدة تعكس تصاعد وتيرة الاستثمارات الصناعية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، شهد وليد جمال الدين، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، توقيع عقد مشروع شركة «العطا جروب للصناعات الغذائية والتعدينية» بالمنطقة الصناعية بالسخنة، وذلك بمقر الهيئة بالعاصمة الإدارية الجديدة.

المشروع، الذي يقام على مساحة 17 ألف متر مربع، يأتي باستثمارات مصرية تُقدّر بنحو 11 مليون دولار أمريكي، بما يعادل 515 مليون جنيه مصري، ويوفر نحو 30 فرصة عمل مباشرة، على أن يبدأ الإنتاج خلال عام 2027 بطاقة إنتاجية تصل إلى 10 آلاف طن سنويًا من الحبوب المعبأة، إلى جانب أنشطة تجهيز وتجارة المعادن والأحجار الكريمة.
تفاصيل التعاقد
جرى توقيع العقد بين اللواء وليد يوسف، العضو المنتدب لشركة التنمية الرئيسية (MDC) — الذراع التنموي للهيئة — وفاطمة إبراهيم المهدي، المديرة والشريك المؤسس بشركة «العطا جروب»، في إطار نطاق المطور الصناعي «شركة التنمية الرئيسية»، بما يعكس تكامل الأدوار بين الهيئة ومطوريها الصناعيين لجذب استثمارات نوعية في قطاعات استراتيجية.

السخنة نقطة جذب استثماري متصاعدة
وأكد وليد جمال الدين أن المنطقة الصناعية بالسخنة تشهد إقبالًا متزايدًا من المستثمرين في مختلف القطاعات الصناعية، وهو ما يعكس — بحسب وصفه — الثقة المتنامية في بيئة الاستثمار التي توفرها الهيئة، سواء من حيث البنية التحتية المتطورة أو الحوافز التنافسية أو سرعة الإجراءات.
وأشار إلى أن الهيئة تواصل دعم المشروعات التي تلبي احتياجات السوق المحلي وتستهدف تعزيز الصادرات، مع تركيز خاص على القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والصناعات الزراعية والتعدينية، لما لها من أثر مباشر في تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
أبعاد اقتصادية وتنموية
يمثل المشروع الجديد إضافة نوعية في مجال الصناعات الغذائية، خاصة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء. ومن المتوقع أن يسهم إنتاج 10 آلاف طن سنويًا من الحبوب المعبأة في دعم السوق المحلي، مع إمكانية التوجه للتصدير مستفيدًا من الموقع الاستراتيجي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وقربها من الموانئ البحرية.

كما يضيف نشاط تجهيز وتجارة المعادن والأحجار الكريمة بعدًا صناعيًا وتصديريًا آخر، يعزز تنوع القاعدة الإنتاجية داخل المنطقة الصناعية بالسخنة، ويدعم توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وزيادة الاعتماد على القيمة المضافة بدلًا من تصدير المواد الخام.
تسهيلات لتعزيز التنافسية
وشدد رئيس الهيئة على أن المنطقة الاقتصادية تعمل على تسريع وتيرة تنفيذ المشروعات الصناعية من خلال حزمة متكاملة من التيسيرات والخدمات، تشمل الدعم الفني والإجرائي وتيسير الحصول على التراخيص، فضلًا عن توفير بنية تحتية مؤهلة لاستيعاب الصناعات الثقيلة والغذائية واللوجستية.
وأوضح أن هذه الجهود تستهدف رفع التنافسية الوطنية، وتوطين الصناعة، وتعميق المكون المحلي، وخلق فرص عمل مستدامة، مؤكدًا استمرار العمل على بناء قاعدة صناعية متنوعة بالسخنة تدعم زيادة الصادرات المصرية، خاصة في مجالات الصناعات الغذائية والحاصلات الزراعية.

مركز صناعي ولوجستي
وخلال السنوات الأخيرة، عززت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس مكانتها كمركز جاذب للاستثمارات الصناعية والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين ثلاث قارات، ومن شبكة الموانئ والمناطق الصناعية التابعة لها.
في النهاية يعكس توقيع هذا المشروع استمرار الزخم الاستثماري داخل المنطقة، ويؤكد الدور المحوري الذي تلعبه الهيئة في دعم الاقتصاد الوطني، وزيادة القدرة التصديرية، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة تعود بالنفع على المستثمرين والمجتمع على حد سواء.
إنها لحظة تتجاوز حدود التوقيع الرسمي، لتؤكد أن التنمية ليست حدثًا يُعلن، بل مسارًا يُبنى خطوةً بعد خطوة؛ وأن السويس، بتاريخها وموقعها، لا تزال تكتب فصولًا جديدة في سردية الوطن الاقتصادية.


