عقيدة مونرو تعود بقوة.. ترامب يضيّق الخناق على كوبا بالنفط والعقوبات
مع انقطاع التيار الكهربائي عن مدن بأكملها وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بدأت آثار التصعيد الأمريكي ضد كوبا تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في الجزيرة. ففي ظل تشديد العقوبات النفطية وتهديد موردي الطاقة، تواجه هافانا واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية منذ عقود، وسط إصرار أمريكي على تغيير قواعد اللعبة.
الاستراتيجية الأمنية الوطنية الأمريكية الجديدة، التي صدرت في نهاية العام الماضي، لم تترك مجالًا للغموض. فقد أعلنت بوضوح أن الولايات المتحدة تعتزم إعادة تأكيد وفرض "عقيدة مونرو"، في خطوة تهدف إلى استعادة الهيمنة الأمريكية في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، بعد ما وصفته الوثيقة بـ"سنوات من الإهمال".
من مادورو إلى هافانا: سلسلة مترابطة من الضغوط
اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع العام لم يكن، بحسب مراقبين، حدثًا معزولًا، بل إشارة افتتاحية لسلسلة إجراءات تستهدف إعادة ترتيب التوازنات في ما تصفه واشنطن بـ"فناءها الخلفي".
وفي قلب هذه الاستراتيجية تقف كوبا، الجزيرة التي مثلت على مدى أكثر من ستة عقود رمز التحدي السياسي والأيديولوجي للولايات المتحدة. وخلال الأسابيع الأخيرة، بات واضحًا أن هافانا تواجه واحدة من أقسى موجات الضغط منذ نهاية الحرب الباردة.

أمر تنفيذي وعقوبات تحت غطاء الطوارئ
في نهاية يناير، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا استنادًا إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، اعتبر فيه أن الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية يواجهان "خطرًا مباشرًا" بسبب الحكومة الكوبية.
ووصف ترامب كوبا بأنها "تهديد غير عادي واستثنائي"، متهما إياها بالتحالف مع دول "معادية" للولايات المتحدة، على رأسها روسيا والصين وإيران، إضافة إلى حركات مسلحة مثل حماس وحزب الله.
كما اتهم هافانا بتقديم دعم استخباراتي وأمني لخصوم واشنطن في النصف الغربي من الكرة الأرضية، معتبرًا أن النظام الكوبي يتعارض مع "القيم الأخلاقية والسياسية" للولايات المتحدة.
تهديد صريح: النفط مقابل العقاب
غير أن أخطر ما ورد في خطاب ترامب لم يكن الاتهامات السياسية، بل التهديد الاقتصادي المباشر، إذ توعد بفرض رسوم جمركية عقابية على أي دولة "تبيع أو توفر، بشكل مباشر أو غير مباشر، النفط لكوبا".
ويقرأ مراقبون هذا التهديد بوصفه إعلانًا واضحًا لسياسة الخنق الاقتصادي، هدفها دفع النظام الكوبي نحو الاستسلام السياسي أو الانهيار الداخلي، خاصة بعد نجاح واشنطن في تقويض شحنات النفط القادمة من فنزويلا.
"النفط مقابل الأطباء".. شريان حياة انقطع
على مدى عقود، شكّل التحالف بين كوبا وفنزويلا عمودًا فقريًا لاقتصاد الجزيرة. ووفق تقارير صحفية، لعب برنامج "النفط مقابل الأطباء"، الذي انطلق عام 2000، دورًا محوريًا في هذا التحالف، حيث أرسلت هافانا عشرات الآلاف من الأطباء إلى فنزويلا مقابل نفط بأسعار تفضيلية.
وخلال العام الماضي، غطّت الإمدادات الفنزويلية نحو ثلث احتياجات كوبا من الطاقة. لكن هذا الشريان انقطع فجأة مع التدخل الأمريكي الأخير في فنزويلا، إذ كانت آخر شحنة نفط من شركة PDVSA في منتصف ديسمبر، بكمية قاربت 600 ألف برميل، أي ما يكفي لنحو أربعة أسابيع فقط.

انقطاع كهرباء وتضخم متصاعد
ورغم امتلاك كوبا صناعة نفطية محلية محدودة، فإنها تعاني من نقص الاستثمارات، وتقادم البنية التحتية، وشح قطع الغيار. وعلى الرغم من توسعها في مشاريع الطاقة الشمسية بدعم صيني، إلا أن شبكة الكهرباء المتهالكة تكافح لتلبية الطلب.
الأسبوع الماضي، شهدت خمس محافظات في شرق البلاد انقطاعًا كاملاً للكهرباء بسبب عطل في محطة فرعية، في مؤشر على هشاشة الوضع الطاقي.
في الوقت ذاته، بدأ التضخم بالارتفاع، مع ظهور آثار الضغط الاقتصادي بشكل متزايد، وسط مساعٍ أمريكية غير معلنة لثني دول أخرى عن تقديم أي دعم لهافانا.
المكسيك في مرمى الضغوط
يتجه التركيز الأمريكي بشكل خاص نحو المكسيك، التي لطالما احتفظت بعلاقات متعاطفة مع كوبا، وتعد موردًا متواضعًا لكنه مهم للنفط.
ورغم أن الأمر التنفيذي لم يذكر المكسيك صراحة، إلا أن الرسالة كانت واضحة. فقد لوّحت واشنطن بفرض رسوم جمركية إذا استمرت شركة بيميكس في تزويد كوبا بالنفط، والذي بلغت قيمته نحو 500 مليون دولار العام الماضي.
وحتى الآن، توقفت معظم الشحنات، باستثناء شحنة واحدة فقط وصلت الشهر الماضي، ما خفّض واردات كوبا إلى نحو 3 آلاف برميل يوميًا، أي أقل من 10% من المعدلات السابقة.
رسائل هافانا المتناقضة
في ظل هذا الخناق، تتأرجح رسائل القيادة الكوبية بين التصعيد الخطابي والدعوات إلى الحوار. فقد أكد الرئيس ميجيل دياز-كانيل استعداد بلاده "للدفاع عن الوطن حتى آخر قطرة دم"، في مقابل تحذيرات رسمية من أن الإجراءات الأمريكية تهدد المستشفيات والنقل وإنتاج الغذاء.
كما أعرب الفاتيكان عن قلقه من احتمال انزلاق البلاد نحو فوضى اجتماعية، إذا استمر الضغط الاقتصادي دون أفق للحل.
حسابات انتخابية واستثمارات تنتظر
في واشنطن، لا يبدو أن هذه التحذيرات تغيّر كثيرًا في حسابات إدارة ترامب، التي ترى أن "اللحظة التاريخية" قد حانت. فمن جهة، يراقب الرئيس الأمريكي الناخبين الكوبيين في الولايات المتحدة مع اقتراب الانتخابات النصفية، ومن جهة أخرى، يترقب مستثمرون، لا سيما في قطاع العقارات، أي تحول جذري في هافانا.
هل يحقق ترامب ما عجز عنه كينيدي؟
يسعى ترامب لتسجيل إنجاز تاريخي عبر إحداث تغيير جذري في كوبا، مدفوعًا بضغط اقتصادي منسق وحضور عسكري أمريكي متزايد في الكاريبي.
وإذا تحقق ذلك، فسيكون قد أنجز ما فشل فيه الرئيس جون إف. كينيدي، الذي فرض الحصار عام 1962 دون إسقاط النظام الكوبي. وليس مصادفة، أن يُعاد مؤخرًا تسمية مركز كينيدي في واشنطن ليحمل اسم ترامب إلى جانبه.
كوبا أمام لحظة مفصلية
بين حصار اقتصادي خانق، وضغوط سياسية متصاعدة، ورسائل متناقضة من الداخل، تبدو كوبا اليوم أمام منعطف تاريخي حاسم. فإما أن تنجح في الصمود مجددًا، أو تدخل مرحلة تغيرات كبرى قد تعيد رسم المشهد السياسي في الجزيرة التي شكّلت لعقود رمزًا للتحدي في وجه واشنطن.