الصواريخ الباليستية قبل النووي… لماذا تخشى واشنطن «خط طهران الأحمر»؟
لم يكن إعلان إيران عن أحد أكثر صواريخها الباليستية تطورًا، قبل يوم واحد فقط من جلسة مفاوضات مرتقبة مع الولايات المتحدة، حدثًا عابرًا أو مصادفة زمنية. ففي ذروة التهديدات المتبادلة والتحشيد العسكري الذي وضع المنطقة بأكملها على حافة الانفجار، كشفت طهران عن صاروخ «خرمشهر 4»، المعروف أيضًا باسم «خيبر»، في خطوة بدت أقرب إلى رسالة سياسية بقدر ما هي استعراض عسكري.
«خط أحمر» لا يقبل النقاش
الإعلان، الذي وصفته وكالة «فارس» الإيرانية بأنه كشف عن قدرات غير مسبوقة، جاء ليؤكد موقفًا إيرانيًا ثابتًا طالما تكرر في الخطاب الرسمي: القدرات الصاروخية ليست موضع تفاوض. فقد وصفت لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني كلًّا من الملف الصاروخي وملف تخصيب اليورانيوم بأنهما «خط أحمر»، في إشارة إلى حساسية هذه الملفات وارتباطها المباشر بالأمن القومي الإيراني.
تراجع تكتيكي تحت الضغط الأمريكي
لكن، ومع اقتراب المفاوضات من حافة الانهيار، اضطرت طهران إلى إبداء قدر من المرونة. فبحسب ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين إيرانيين، وافقت إيران في اللحظات الأخيرة على إدراج الملف الصاروخي ضمن جدول أعمال المفاوضات، مع الإصرار في الوقت نفسه على أن الأولوية تبقى للبرنامج النووي.
هذه الخطوة عكست حجم الضغوط الأمريكية، كما كشفت في الوقت ذاته أن القدرات الصاروخية الإيرانية باتت، في نظر واشنطن وحلفائها، أخطر وربما أكثر إلحاحًا من البرنامج النووي ذاته.

أجندات متعارضة… وأوراق قوة
شروط واشنطن الأربعة
مع عودة الحديث عن المسار السياسي، اشترطت الولايات المتحدة على طهران القبول بالتفاوض حول أربعة ملفات رئيسية:
- البرنامج النووي الإيراني.
- القدرات الصاروخية الباليستية.
- دعم إيران لوكلائها الإقليميين في لبنان واليمن والعراق.
- طريقة تعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات الداخلية.
وترى واشنطن أن البنود الثلاثة الأولى تمثل جوهر النفوذ الإيراني في المنطقة، وأن التنازل عنها أو تحجيمها شرط أساسي لأي اتفاق مستدام.
تنازلات محسوبة
ورغم الإصرار العلني على رفض التفاوض بشأن الصواريخ، تشير التسريبات إلى أن طهران قدمت تنازلات محدودة، ووافقت على مناقشة الملف الصاروخي ودعم الوكلاء، إلى جانب البرنامج النووي، دون الإعلان رسميًا عن أي تغيير جذري في موقفها.
لماذا الصواريخ… وليس النووي؟
دخلت إيران مفاوضات حول برنامجها النووي منذ نحو ثلاثة عقود، وأكدت مرارًا طابعه السلمي، قبل أن تتوصل عام 2015 إلى اتفاق مع القوى الكبرى، انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018.
لكن، وخلال السنوات التي انشغل فيها العالم بالملف النووي، واصلت طهران تطوير برنامجها الصاروخي، الذي أثبت – وفق تقارير غربية – أنه أكثر جدوى وتأثيرًا من البرنامج النووي، خاصة بعد المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
وبحسب دراسة لمعهد دراسة الحرب (ISW) نقلتها وكالة «رويتزر»، تمتلك إيران أكبر ترسانة صواريخ باليستية في الشرق الأوسط، مع ما لا يقل عن خمس «مدن صاروخية» تحت الأرض، وصواريخ يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر، ما يضع إسرائيل ضمن دائرة الاستهداف المباشر.
«خرمشهر 4»… مواصفات ورسائل
ووفق ما أوردته وكالة «فارس»، يتميز صاروخ «خرمشهر 4» بقدرته على حمل أكثر من طن من المواد المتفجرة، وبمدى يصل إلى 2000 كيلومتر، إضافة إلى سرعة عالية تمكّنه من إصابة أهدافه خلال أقل من 15 دقيقة، ما يقلص فاعلية أنظمة الدفاع الصاروخي.
مرونة في النووي… تصلب في الباليستي
في المقابل، أبدت طهران استعدادًا واضحًا لتقديم تنازلات في الملف النووي، شملت خفض نسبة تخصيب اليورانيوم من 60% إلى 20%، وإمكانية نقل جزء من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، في وقت أكدت فيه «رويتزر» نقلًا عن مسؤول إيراني أن العقبة الأساسية في المفاوضات ليست النووي، بل الصواريخ الباليستية.
الباليستي كبديل استراتيجي عن النووي
تكشف هذه التطورات أن الصواريخ الباليستية أصبحت حجر الزاوية في العقيدة الدفاعية الإيرانية، وورقة الردع الأساسية التي تعوض غياب السلاح النووي. فبينما يخضع الملف النووي لإشراف دولي وضغوط سياسية مستمرة، تمثل الصواريخ أداة سيادية أقل قابلية للتقييد، وأكثر فاعلية في فرض معادلات الردع.
من هنا، يمكن فهم تمسك طهران باعتبار البرنامج الصاروخي «خطًا أحمر»، مقابل استعدادها للمناورة في الملف النووي. أما واشنطن، فترى في هذه القدرات تهديدًا مباشرًا لتوازن القوى الإقليمي، ما يجعل الصراع حول الصواريخ الباليستية مرشحًا لأن يكون جوهر الخلاف الحقيقي في أي مفاوضات مقبلة، وربما العامل الحاسم بين التسوية أو الانفجار.


