مجلس الشيوخ يوضح دور الضريبة العقارية في الاقتصاد الوطني
يمثل قرار مجلس الشيوخ برفع حد الإعفاء من الضريبة العقارية على السكن الخاص الرئيسي خطوة تشريعية لافتة تعكس محاولة واضحة لمواكبة التحولات الاقتصادية وارتفاع قيم العقارات خلال السنوات الأخيرة. فمع تضاعف أسعار الوحدات السكنية وتغير خريطة السوق، أصبح من الضروري إعادة النظر في التشريعات القديمة التي لم تعد تعبر عن الواقع الحالي، وهو ما جاء هذا التعديل ليعالجه بشكل مباشر.

رفع حد الإعفاء إلى 100 ألف جنيه
الزيادة الجديدة، التي ترفع حد الإعفاء إلى 100 ألف جنيه بالقيمة الإيجارية السنوية بدلًا من 24 ألف جنيه فقط، لا تُعد مجرد تعديل رقمي، بل تمثل تحولًا في فلسفة التعامل مع الضريبة العقارية، إذ توسّع مظلة الحماية لتشمل شريحة أكبر من المواطنين، خصوصًا من يعتمدون على مسكنهم الرئيسي كضرورة حياتية وليس كاستثمار. ويُفهم من هذا التوجه أن المشرّع يسعى لتحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية، بما يتناسب مع التغيرات الاجتماعية ومستويات الدخل.
وبحسابات السوق، فإن هذا التعديل يرفع قيمة المسكن المعفى من الضريبة من نحو مليوني جنيه إلى قرابة 8 ملايين جنيه، وهو فارق كبير يعكس إدراك الدولة للزيادات الحادة في أسعار الأراضي والبناء كما يبعث القرار برسالة طمأنة إلى أصحاب الوحدات السكنية بأن التشريعات قادرة على التكيف مع الواقع، بدل أن تبقى جامدة أمام موجات التضخم.
مراجعة أوسع للسياسات المالية
في المجمل، يمكن النظر إلى الخطوة باعتبارها جزءًا من مراجعة أوسع للسياسات المالية المرتبطة بالقطاع العقاري، تهدف إلى تحقيق توازن بين حق الدولة في تحصيل الإيرادات، وحق المواطن في سكن ملائم غير مثقل بالأعباء الضريبية. ومن المتوقع أن يثير التعديل نقاشًا واسعًا حول مستقبل الضرائب العقارية ودورها في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وفي هذا السياق أكد المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، أن هناك بعض الأصوات المطالبة بزيادة الضرائب على المواطنين الذين لديهم القدرة المالية لتوفير أموال للفقراء، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يحتاج إلى إعادة تقييم دقيقة. وأوضح منصور خلال حواره في برنامج “من أول وجديد” مع الإعلامية نيفين منصور، أن غالبية الإيرادات الضريبية للدولة تعتمد على الضرائب غير المباشرة، مثل الضريبة المضافة والضرائب على الدخل، والتي تشكل نحو 90% من إجمالي الموارد الضريبية.

وأشار عضو مجلس النواب إلى أن فرض ضريبة عقارية أعلى على الوحدات السكنية ليس الطريقة الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية أو تأمين احتياجات الفقراء، مؤكدًا أن التركيز يجب أن يكون على تحسين تحصيل الضرائب وتوسيع القاعدة الضريبية بدلاً من زيادة الأعباء على المواطنين العاديين.
الضريبة العقارية.. بين الواقع والتاريخ
وأوضح المهندس إيهاب منصور أن قانون الضريبة العقارية الحالي تم وضعه منذ عام 2008، حين كان سعر الدولار في حدود 5 جنيهات فقط. أما الآن، فقد ارتفع السعر بما يقارب تسعة أضعاف، وهو ما جعل القيم التقديرية للوحدات السكنية أعلى بكثير مقارنة بالمستوى الذي وضعه القانون قبل أكثر من 15 عامًا.
وأضاف أن هذا التغير الكبير في الأسعار يعكس ضرورة مراجعة التشريعات الضريبية بشكل دوري، لتواكب الواقع الاقتصادي وتضمن تحقيق العدالة بين المواطنين دون الإضرار بقدرتهم على تحمل الأعباء المالية.
وأكد منصور أن أي محاولة لرفع الضريبة العقارية بشكل مفاجئ قد تؤثر على الشريحة الأكبر من المواطنين الذين يستخدمون وحداتهم السكنية كمسكن رئيسي وليس كمصدر استثماري.
أهمية تحديث التشريعات لمواكبة السوق
أشار عضو مجلس النواب إلى أن الضريبة العقارية ليست أداة رئيسية لتوفير الموارد المالية لصالح الفئات الأقل دخلًا، لافتًا إلى أن الدولة تعتمد على مجموعة متنوعة من الموارد الضريبية لضمان تمويل برامج الدعم الاجتماعي، وهو ما يجعل التركيز على الضريبة العقارية فقط غير كافٍ لتحقيق الأهداف التنموية.

وأكد أن الهدف من تحديث قوانين الضريبة العقارية يجب أن يكون ضبط العدالة الضريبية بما يتماشى مع تغير الأسعار وارتفاع قيمة العقارات، وليس مجرد تحصيل المزيد من الأموال من المواطنين. وأضاف أن الدولة تعمل على دراسة القوانين لضمان أن تكون عادلة، وتراعي الفئات المتوسطة والفقيرة، دون أن تكون عبئًا إضافيًا عليهم.
التوازن بين الإيرادات الضريبية وحماية المواطنين
أكد منصور أن التركيز على الضرائب المضافة وضرائب الدخل يوفر للدولة قدرة أكبر على جمع الموارد المالية دون التأثير الكبير على الشريحة الأكبر من المواطنين، مشيرًا إلى أن فرض أعباء ضريبية إضافية على أصحاب العقارات قد يكون غير فعال إذا لم يقترن بخطط لتعويض الفئات الأقل دخلًا.
وأشار إلى أن الهدف من التشريعات الضريبية هو تحقيق توازن بين توفير الموارد اللازمة للدولة، وبين حماية المواطنين من أعباء مالية غير عادلة، مؤكدًا أن الضريبة العقارية يجب أن تخضع لمراجعة مستمرة لتواكب التغيرات الاقتصادية وضمان عدم زيادة الأعباء على المواطنين العاديين بشكل مفاجئ.
مراجعة القوانين ضرورة لضمان العدالة
وفي ختام حديثه، شدد المهندس إيهاب منصور على أهمية مراجعة قوانين الضرائب بشكل دوري، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقارات والدولار، لضمان أن تكون الضرائب عادلة وملائمة للواقع الاقتصادي.
وأوضح أن هذا التوجه يعكس وعي الدولة بأهمية تحقيق العدالة الاجتماعية دون المساس بحق المواطنين في سكنهم الأساسي.
وأكد أن أي تعديل في قوانين الضريبة العقارية يجب أن يكون محسوبًا بعناية، مع دراسة دقيقة لتأثيره على مختلف شرائح المجتمع، مشددًا على أن التركيز لا يجب أن يكون على مجرد جمع الأموال، بل على تحقيق التوازن بين حقوق الدولة وواجباتها تجاه مواطنيها، وضمان أن يساهم النظام الضريبي في التنمية الشاملة دون فرض أعباء غير عادلة على الفئات الأكثر تأثرًا.