محمد دياب يكتب: العالم كما تريده واشنطن
من السذاجة الاعتقاد أن التفوق العسكري وحده كفيل بحسم الصراعات الدولية، فلو كان السلاح هو الفيصل المطلق لما ترددت الولايات المتحدة لحظة في استخدامه ضد كل دولة تخرج عن طوعها، خصوصًا في ظل إدارة ترى العالم بعين الغضب والمصالح العارية، لكن الواقع أكثر تعقيدًا والحسابات أبعد من زر يُضغط أو قنبلة تُلقى.
القدرة الأمريكية على إلحاق أضرار جسيمة بدول مثل إيران أمر لا جدال فيه، ويبقى تشابك النتائج هو الكابح الفعلي لأي اندفاع غير محسوب، فحتى الدولة المُنهكة تظل قادرة على إحداث ارتدادات موجعة، خاصة حين يكون المسرح هو الشرق الأوسط، وحين تكون إسرائيل في قلب المعادلة، هنا يتحول الحديث إلى كسر إرادة سياسية وإعادة ضبط الإقليم وفق ميزان واحد لا يقبل الشراكة.
إيران تقف في مواجهة غير متكافئة مع منظومة دولية واسعة تضم قوى غربية كبرى وحلفاء إقليميين وشبكة مصالح تمتد من أوروبا إلى شرق آسيا، ورغم هذا الحشد لا تملك طهران سندًا حقيقيًا يمكن الاتكاء عليه، فموسكو شريك متردد تتحكم في مواقفه الحسابات أكثر من المبادئ، وبكين تفضّل البقاء في المنطقة الرمادية حيث التجارة أولًا وتجنب الصدام المباشر ثانيًا، أما بقية العالم فيراقب أو يشارك وفق موقعه من المصلحة.
وسط كل هذا، يتردد حديث متكرر عن نظام عالمي جديد يتشكل وكأن العالم كان يومًا بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية الحقيقة أن النظام القائم منذ نهاية الحرب الباردة لم يكن إلا نظامًا أحادي القطبية جرى تجميله ببعض التوازنات الشكلية والمؤسسات الدولية التي لا تتحرك إلا حين تسمح واشنطن.
اللافت أن القوى الكبرى نفسها لا تبدو متحمسة لعالم متعدد الأقطاب، أوروبا رغم خطابها المرتفع أحيانًا لا تريد أعباء القيادة، هدف روسيا يتمثل في الاعتراف والدور مع تجنب الانخراط في مواجهة شامله والصين براغماتية حتى النخاع تدرك أن الانتقال إلى قيادة عالم متعدد الأقطاب سيجبرها على دفع فاتورة سياسية واقتصادية لا ترغب بها الآن.
ما يثير الضيق الحقيقي لدى هذه الأطراف ليس مضمون السياسة الأمريكية وانما أسلوب إدارتها. الفجاجة في الإعلان والصراحة المفرطة في كشف موازين القوة وتعرية الشعارات التي طالما غلّفت الهيمنة فالعالم اعتاد أن تُدار الأمور خلف الستار بعيداً عن التصريح العلني على المنصات.
وهكذا لا يبدو أننا أمام نظام عالمي جديد بقدر ما نحن أمام نسخة أكثر صراحة من النظام القديم نظام تُدار فيه الخلافات بالقوة حيناً وبالابتزاز حيناً آخر بينما تبقى الشعوب مجرد تفصيل خارج الحسابات الكبرى