ما حكم الاستفادة من ملفات نصية لكتب خاصة دون إذن أصحابها؟ ..الإفتاء توضح
أكدت دار الإفتاء في ردها على سؤال: شخص لديه دار نشر كبرى، ويأتي إليها بعض المؤلفين ويطلبون مساعدتها في عمل تنسيق وإخراج لكتبهم ونشرها، وبعد نشر تلك الكتب يكون لديها مصدر لهذه الكتب على هيئة ملفات نصية (word)، فما حكم استفادة دار النشر منها في أمور خاصة بها؟ أن استفادة دار النشر بالمصادر الموجودة على أجهزتها للمؤلفات والمصنفات والكتب المراد تنسيقها وإخراجها دون إذن من أصحابها، أمر محرم شرعًا ومجرم قانونا، لما فيه من الاعتداء على حقوقهم، وأكل أموالهم بغير وجه حق.
وتابعت: لقد تعاظم دور المراكز البحثيَّة ودور النشر في ميدان إخراج الكتب والمؤلفات في عصرنا؛ نظرًا للتقدم التقني الكبير في مجال الطباعة والإخراج، وباتت الاستعانة بخدماتهم العلميَّة والفنيَّة في إعداد الكتب وإخراجها أمرًا لابد منه، وتتمثل هذه الخدمات في نسخ النصوص وتحويلها من الكتابة الورقيَّة إلى الكتابة الرقميَّة ثمَّ تنسيقها وضبطها بما يلائم معايير الإخراج الفنيَّة للطباعة وأعمال النشر والتوزيع.
وهذه الاستعانة من قبيل الإجارة على عمل، كإجارة الناسخ لنسخ الكتب، فالإجارة: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم، وهي إمَّا ترد على منفعة مرتبطة بعين، كإجارة العقار للسكنى، وإمَّا ترد على ذمة إنسان بأن يلزمه عملًا، كخياطة أو بناء أو نسخ وتنسيق وطباعة ونشر وتوزيع لكتاب.
حكم الإجارة
الإجارة مشروعة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، ووجه الدلالة من الآية: أنَّ الإرضاع بلا عقد تبرع لا يوجب أجرة، وإنَّما يوجبها ظاهر العقد، فتعيّن.
وما ورد في "الصحيحين": «أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وأعطى الحجام أجرته». وخبر البخاري: «أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم والصديق رضي الله عنه استأجرا رجلًا من بني الديل يقال له: عبد الله بن الأريقط». ينظر: "مغني المحتاج" للعلَّامة الخطيب الشربيني (3/ 438، وما بعدها، ط. دار الكتب العلمية).
هل ما ينتجه العقل من مؤلفات يُعدّ من الأموال الخاصة؟
إنتاج العقول من الكتب والمؤلفات والمصنفات مالٌ يُتَمَوَّل في العادة، ويجوز أخذ العوض عنه، فهو ملك لأصحابه يختصون بالاستبداد به والتصرف فيه، فالمال عند المالكيَّة: هو ما يُتَمَوَّل في العادة، ويجوز أخذ العوض عنه. ينظر: "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهَّاب البغدادي المالكي (2/ 947، ط. المكتبة التجارية).
وعند الشافعيَّة: هو ما كان منتفعًا به، أي: مستعدًّا لأن ينتفع به، وهو إمَّا أعيان أو منافع. ينظر: "المنثور في القواعد الفقهية" للإمام الزركشي (3/ 222، ط. وزارة الأوقاف الكويتية).
وعند الحنابلة: هو ما يباح نفعه مطلقًا، واقتناؤه بلا حاجة. فدخل في التعريف كل ما ينتفع به، عينًا كان أو منفعة. ينظر: "حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات" (2/ 555، ط. دار النوادر).
وأطلق الحنفيَّة المال على الأعيان التي لها مادة وجِرم فقط؛ كالدار، لا المنافع التي هي الفوائد التي تتحصل منها؛ كسكناها، قال العلَّامة البابرتي الحنفي في "العناية شرح الهداية" (2/ 208، ط. دار الفكر)، في تعريف المال: [هو كل ما يتملكه الناس من دراهم أو دنانير أو حنطة أو شعير أو حيوان أو ثياب أو غير ذلك] اهـ.
حكم استفادة دار النشر بالمصادر الخاصة الموجودة على أجهزتها
قد أمر الشرع الشريف بحفظ أموال الناس، وجعله مقصدًا من مقاصده الضروريَّة الكبرى، قال الإمام الغزالي في "المستصفى" (174، ط. دار الكتب العلمية): [مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم.. وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح] اهـ.
وقد تجاوز حفظ المال في عصرنا من حماية الخزائن والعقارات إلى حماية العقول والمؤلفات، فكما حَرَّم الشرع الشريف سرقة المتاع، حَرَّم سرقة الإبداع، باعتباره من المنافع والأموال التي يمتلكها الإنسان ويختص بمباشرة التصرف فيها دون غيره.