تجربة أربكت العلماء.. القصة الكاملة لأطول تجربة حرمان من النوم في التاريخ
في عالم يُمَجِّد كسر الحدود وتحطيم الأرقام، يظل النوم الاستثناء الأخطر. فبينما تُقاس الإنجازات عادة بالسرعة أو القوة أو التحمّل، يكشف العلم أن التلاعب بأحد أبسط احتياجات الإنسان النوم قد يكون مقامرة بالعقل قبل الجسد.
ورغم أن سؤال “كم يومًا يستطيع الإنسان البقاء مستيقظًا؟” أثار فضول العلماء والإعلام لعقود، فإن الإجابة لم تعد رقمًا قياسيًا، بل تحذيرًا صحيًا صارمًا، تجسّد في تجربة واحدة دفعت موسوعة غينيس إلى التراجع نهائيًا عن تسجيل مثل هذه المحاولات.
تسريع الشيخوخة وتدهور القدرات العقلية
تشير دراسات علمية متعددة إلى أن الحرمان من النوم لا يقتصر على الإرهاق المؤقت، بل قد يؤدي إلى الهلوسة، والبارانويا، واضطرابات التفكير، وضعف الذاكرة، إضافة إلى زيادة مخاطر الإصابة بالسكتات الدماغية والسكري، وارتفاع احتمالات الحوادث الناتجة عن التعب الشديد. وعلى المدى الطويل، تُربط قلة النوم بتسارع الشيخوخة والتدهور المعرفي.
تجربة عام 1963 .. حين تحدّى مراهق حدود الجسد
في عام 1963، شهدت الولايات المتحدة واحدة من أشهر تجارب الحرمان من النوم في التاريخ، حين قرر طالبان في المرحلة الثانوية، راندي غاردنر وبروس ماكاليستر، تنفيذ تجربة علمية للبقاء مستيقظين لأطول فترة ممكنة. وأسفرت القرعة عن اختيار راندي، الذي كان يبلغ من العمر 16 عامًا، ليخوض التجربة.
وسرعان ما استقطبت المحاولة اهتمام وسائل الإعلام، قبل أن يتدخل عالم النوم بجامعة ستانفورد، الدكتور ويليام ديمينت، للإشراف عليها، خشية العواقب الصحية المحتملة. وقال ديمينت لاحقًا في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC): «كان القلق حقيقيًا، إذ لم يكن معروفًا آنذاك ما إذا كان الحرمان الطويل من النوم قد يؤدي إلى الوفاة».

إجراءات صارمة لمنع النوم
لضمان بقاء راندي مستيقظًا، فُرضت إجراءات مشددة، شملت إبقاءه نشطًا عبر ممارسة كرة السلة ولعب البينبول، ومنعه من الاستلقاء نهائيًا، بل وإلزامه بالتحدث حتى أثناء وجوده في الحمام.
في الأيام الأولى، بدا الوضع مستقرًا نسبيًا، لكن مع اليوم الثالث ظهرت تقلبات مزاجية وصعوبات في النطق. وبحلول اليوم الرابع، بدأت الهلوسة واضطرابات الذاكرة، حيث تخيّل نفسه لاعب كرة قدم شهير، وشاهد مناظر غير موجودة داخل منزله.
تدهور تدريجي في القدرات الذهنية
مع استمرار التجربة، تدهورت الحالة الذهنية لراندي بشكل واضح؛ أصبح كلامه بطيئًا ومتقطعًا، وضعفت ذاكرته، وبدأ الجمل دون أن يتمكن من إكمالها. وفي اليوم الأخير، بدا فاقدًا للتعبير والتركيز، واضطر الباحثون إلى إيقاف الاختبارات العقلية بعدما صار ينسى ما يُطلب منه.
11 يومًا بلا نوم… والتعافي دون أضرار دائمة
رغم التدهور الحاد، تمكن راندي غاردنر من تحطيم الرقم القياسي آنذاك، بالبقاء مستيقظًا لمدة 11 يومًا متواصلة. وبعد انتهاء التجربة، خضع لمراقبة طبية أظهرت أن جسده عوّض الحرمان عبر فترات نوم عميق، خصوصًا نوم حركة العين السريعة (REM)، قبل أن تعود حالته تدريجيًا إلى طبيعتها.
وخلص الباحثون إلى أن الدماغ لجأ خلال التجربة إلى ما يشبه «القيلولة الجزئية»، حيث تدخل بعض مناطقه في فترات راحة قصيرة رغم بقاء الشخص مستيقظًا، وهو ما قد يفسر عدم حدوث أضرار دائمة.
لماذا أوقفت «غينيس» هذه الأرقام؟
رغم ادعاءات لاحقة لأشخاص تجاوزوا مدة راندي، أعلنت موسوعة غينيس توقفها النهائي عن توثيق أرقام الحرمان من النوم، مؤكدة أن المخاطر الصحية الجسيمة تفوق أي قيمة رقمية محتملة، وأن تشجيع مثل هذه المحاولات قد يعرّض حياة المشاركين لخطر حقيقي.




