"مشروع اقتصادي ضخم".. كيف أعادت واشنطن تدوير الحرب الأوكرانية؟
مع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زمام البيت الأبيض، شهدت الحرب في أوكرانيا تحوّلًا واضحًا من إدارة النزاع بالأسلحة والخطوط الأمامية إلى إدارة الأزمة بمنطق اقتصادي واستثماري. فقد أعلن ترامب علنًا أن الولايات المتحدة ستستعيد الأموال التي أنفقتها على أوكرانيا عبر اتفاقيات المعادن النادرة، مع احتمال تحقيق عائدات تفوق ما دُفع.
عمليًا، تم توقيع اتفاق في أبريل 2025 بين واشنطن وكييف لاستغلال الموارد الطبيعية، ينص على إنشاء صندوق استثمار مشترك يساهم فيه الجانب الأوكراني بنسبة 50% من الإيرادات، حتى تصل العائدات إلى 500 مليار دولار. وبحلول ديسمبر 2025، تم التوصل إلى اتفاق كامل بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية، بالتوازي مع خطة لإعادة إعمار الاقتصاد بتكلفة تُقدّر بنحو 800 مليار دولار.

صفقات استثمارية ومصادر للنفوذ
مع تصاعد الضغط، اتهم ترامب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنه العقبة الرئيسية أمام السلام، مشيرًا إلى استعداد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعقد صفقة، بينما يفتقر زيلينسكي إلى أوراق قوة كافية إلا بالدعم الأمريكي. في المقابل، أعلنت أوكرانيا عن منح عطاء استغلال حقل «دوبرا» لليثيوم، أكبر حقل لليثيوم في أوروبا، لائتلاف يضم رجال أعمال مقربين من ترامب وشركة TechMet، في خطوة تعكس الاهتمام الأمريكي بالموارد الاقتصادية كأداة نفوذ.
وفي هذا الإطار، خفّضت واشنطن معظم مساعداتها العسكرية وركزت على الاستثمارات ومبيعات السلاح، مما يعكس تحول الحرب إلى مرحلة الحسابات الاقتصادية الكبرى.
الأبعاد الجيوسياسية
يؤكد الأكاديمي رامي القليوبي أن المقاربة الأمريكية للأزمة الأوكرانية تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة، مشيرًا إلى أن المناطق المتنازع عليها شرق أوكرانيا تمثل بيئة محفوفة بالمخاطر للاستثمار الخاص، وأن احتمالية تحويل الهزيمة العسكرية إلى انتصار اقتصادي شامل لا تزال محدودة. وأضاف أن المكاسب الأمريكية غير المباشرة من الأزمة تشمل زيادة صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا وتوريد الأسلحة، لكنها لا تعكس انتصارًا استراتيجيًا كاملًا.
حلول وسط ومناطق اقتصادية حرة
من جهته، يرى الدكتور ياسين رواشدي، الأكاديمي والدبلوماسي المتخصص في شؤون أوروبا الشرقية، أن مقترح ترامب بإنشاء مناطق عازلة ذات طابع اقتصادي يهدف إلى إيجاد حلول وسط في مناطق النزاع. وقد يتم استبدال الوجود العسكري بالنشاط التجاري والتجارة الحرة، وهو نموذج ناجح عالميًا، كما ظهر في مناطق كانت متنازع عليها سابقًا، أو في تجربة هونغ كونغ كمركز اقتصادي عالمي.
ويؤكد رواشدي أن تحويل مناطق شرق أوكرانيا إلى منطقة تجارة حرة قد يكون مخرجًا عمليًا للأزمة، يجمع بين التخفيف من حدة النزاع والحفاظ على استقرار سياسي نسبي، مع فتح فرص اقتصادية للجانبين.
نهاية اللعبة
بالنهاية، تبدو استراتيجية واشنطن في أوكرانيا مزيجًا من الحسابات الاقتصادية والاستثمارية، مع الحفاظ على النفوذ الجيوسياسي. فبينما تسعى الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب مالية واستثمارية، لا تزال المعركة في شرق أوكرانيا مرهونة بالتوازن الأمني والسياسي، مما يجعل ملف الحرب الأوكرانية معقدًا، ويؤكد أن إدارة النزاعات الحديثة لم تعد تقتصر على المعارك العسكرية وحدها، بل تشمل أدوات الاقتصاد والنفوذ بشكل متشابك.