ترامب وأوروبا في مواجهة جرينلاند: معركة التعريفات المؤلمة
تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية إضافية على 8 من حلفاء الناتو، على خلفية اعتراضهم على موقفه تجاه جرينلاند. وأكد تقرير صحيفة "التايمز" البريطانية أن أي رد أوروبي سيكون مدروسًا بعناية، وربما مؤلمًا لجميع الأطراف، في معركة اقتصادية وسياسية قد تؤثر على العلاقات عبر الأطلسي.
لهجة أوروبية حازمة
أحدثت تهديدات ترامب تحولًا واضحًا في خطاب قادة أوروبا. فقد قال أولف كريسترسون، رئيس الوزراء السويدي: "لن نسمح لأحد بابتزازنا"، فيما وصفت جورجيا ميلوني، رئيسة الوزراء الإيطالية، هذه الخطوة بأنها "خطأ"، وحذر ألكسندر ستوب، الرئيس الفنلندي، من "دوامة ضارة" قد تهدد المحور عبر الأطلسي.

ويجمع الأوروبيون على ضرورة استجابة متدرجة، تشمل بريطانيا، الدنمارك، فرنسا، فنلندا، ألمانيا، هولندا، النرويج، والسويد، سواء من خلال خطوات رمزية أو تصعيد مدروس، بهدف حماية مصالحهم الاقتصادية دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
القواعد العسكرية والاتفاقيات التجارية
أثارت التهديدات الأمريكية تساؤلات حول قواعد عسكرية أمريكية في أوروبا، مثل رامشتاين وشتوتغارت في ألمانيا، والتي تعد حيوية لنفوذ واشنطن في الشرق الأوسط وأفريقيا. وأكد مصدر ألماني أن طرد الجيش الأمريكي ليس مطروحًا، لكن رفع الإيجارات على هذه المرافق أصبح احتمالًا قائمًا.
على الصعيد التجاري، يدرس البرلمان الأوروبي إمكانية عرقلة الاتفاقية التجارية أحادية الجانب التي أبرمتها بروكسل مع واشنطن الصيف الماضي، والتي سمحت بتطبيق رسوم جمركية أمريكية بنسبة 15% دون فرض رسوم مماثلة من الجانب الأوروبي، مستغلة ما أشار إليه محللون اقتصاديون باسم "الاعتماد غير المتكافئ المتبادل".

التعريفات الجمركية أداة أساسية
تعتبر التعريفات الجمركية المتبادلة الأداة الأبرز للرد الأوروبي. وقد تشمل استهداف منتجات تحظى بشعبية في الولايات المتحدة، مثل مشروب البوربون، أو فرض رسوم على سلع لا تستطيع أمريكا إيجاد بدائل سريعة لها، مثل الآلات الصناعية المتخصصة. كما يمكن للاتحاد الأوروبي توظيف أجهزة الرقابة والتنظيم لتقييد دخول المنتجات الأمريكية، خصوصًا في قطاعي الأغذية والزراعة.
وبحسب التقرير، قد يُشجع الأوروبيون مواطنيهم على مقاطعة بعض المنتجات الأمريكية كخطوة رمزية للتعبير عن الاستياء، وهو ما حدث بالفعل في كندا وبعض الدول الأوروبية، مثل زبدة الفول السوداني الأمريكية التي توقفت بعض الأسر عن شرائها.
النفط والغاز والأسلحة
من بين الخيارات الأخرى المتاحة، استبعاد الولايات المتحدة من مجالات استراتيجية مثل الهيدروكربونات والغاز الطبيعي المسال، حيث يعتمد الاتحاد الأوروبي على نصف وارداته الأمريكية. وقد يؤدي فرض تعريفات على النفط والغاز إلى أضرار بالغة للقطاع الصناعي الأوروبي، خصوصًا الألماني، كما سيؤثر على قطاع الطاقة الأمريكي.
أما في مجال الدفاع، فقد يُستبعد مصنّعو الأسلحة الأمريكيون من مشتريات أوروبية مستقبلية، مما يزيد الضغط على واشنطن، رغم أن الاستغناء عن تقنيات متقدمة مثل طائرات إف-35 أو بطاريات باتريوت يبدو صعب التطبيق. وينطبق الأمر أيضًا على شبكات الاتصالات الفضائية مثل ستارلينك التابعة لإيلون ماسك.
ردود انتقامية مؤلمة محتملة
تخلص "التايمز" إلى أنه لا توجد استراتيجية انتقامية أوروبية سهلة أو خالية من الألم، إذ أن أي إجراء قد يضر بالبنية التحتية الأساسية للغرب، مما يعرض جميع الأطراف لخطر رد فعل انتقامي محتمل من الولايات المتحدة. ويبدو أن الحل الأوروبي سيعتمد على مزيج من الإجراءات الرمزية والتدابير المدروسة التي تحقق التوازن بين حماية المصالح والحد من التصعيد، بما يحافظ على استقرار التحالف عبر الأطلسي.
في النهاية، تظهر هذه المعركة الاقتصادية والسياسية أن التوترات بين ترامب وأوروبا بشأن جرينلاند لم تعد مجرد مسألة جغرافية، بل أصبحت اختبارًا لقدرة الدول على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية عبر أدوات تجارية وعسكرية متعددة، وسط ضغوط متبادلة على الجانبين.