رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

هكذا تتحرك الإسكندرية.. مشروع خدمي ضخم يدخل حيز التنفيذ

ترام الرمل
ترام الرمل

الإسكندرية ليست مدينة تتحرك فقط، بل مدينة تتذكّر وهي تمضي إلى الأمام؛ كل شارع فيها يحمل أثر زمنٍ سابق، وكل وسيلة نقل ليست مجرد أداة عبور، بل شاهد على علاقة الإنسان بالمكان.

ترام الرمل

ومن بين هذه الشواهد، ظل ترام الرمل أكثرها حضورًا في الوعي السكندري؛ وسيلة نقل رافقت المدينة في تحوّلاتها الاجتماعية والعمرانية، من بدايات القرن العشرين إلى لحظة الازدحام المعاصر.

واليوم، تقف الإسكندرية عند لحظة فاصلة، تزيح فيها الستار عن تصميم جديد لقطارات ترام الرمل الكهربائية، لا لتبدّل شكله فقط، بل لتعيد صياغة فلسفة الحركة داخل المدينة.

ما أعلنته محافظة الإسكندرية لا يمكن اختزاله في أرقام أو رسومات هندسية، بل هو إعلان عن مشروع يعيد تنظيم الزمن الحضري لمدينة ظلت لعقود تُستنزف بين ازدحام المرور وضيق الشوارع.

فمشروع تطوير ترام الرمل، الممتد بطول 13.1 كيلومتر، ليس مجرد خط نقل، بل شريان جديد يعيد توزيع الحركة، ويمنح المدينة فرصة لالتقاط أنفاسها.

مدينة تُفكك اختناقاتها

يضم المشروع 24 محطة، أعيد التفكير في مواقعها ووظائفها بعناية، بحيث تصبح المحطات نفسها أدوات لتنظيم المدينة لا نقاط توقف عشوائية. فقد تقرر رفع 9 محطات لتصبح علوية، في خطوة جريئة تهدف إلى كسر واحدة من أقدم معضلات الإسكندرية التقاطعات المرورية.

لم تعد الفكرة هي انتظار العربة عند إشارات خانقة، بل فصل المسارات ومنح الترام حقه في الحركة المستقلة.

وفي المقابل، تم الإبقاء على 14 محطة سطحية، حفاظًا على العلاقة المباشرة بين الترام والنسيج العمراني للأحياء، بينما جاءت محطة الجامعة كنقطة استثنائية، تُنفذ نفقية، احترامًا لكثافة الحركة وحساسية الموقع، حيث يتقاطع الطلاب، والمشاة، والزمن اليومي للمدينة.

حين تتغير السرعة

التحول الأكبر الذي يحمله المشروع لا يكمن فقط في شكل القطارات أو مسارها، بل في إعادة تعريف السرعة. فبعد سنوات طويلة ظل فيها ترام الرمل يتحرك ببطء لا يتجاوز 11 كيلومترًا في الساعة، يصبح المشهد مختلفًا تمامًا مع سرعة تشغيلية تصل إلى 80 كيلومترًا في الساعة.

هذا الفارق لا يعني تقليص الزمن فقط، بل تغيير فلسفة التنقل ذاتها؛ الرحلة التي كانت تستغرق قرابة ساعة، ستتحول إلى 33 دقيقة؛ اي ما يعادل نصف الزمن تقريبًا يعود إلى المواطن، ليستغل في وقت للعمل، أو الدراسة، أو الراحة؛ هنا، لا تتحسن وسيلة النقل فحسب، بل تتحسن جودة الحياة.

حين يفكر المشروع بحجم مدينة

لم يكن تطوير الترام ليستوعب عددًا أكبر من العربات فقط، بل ليخدم كتلة بشرية متنامية. فمع اكتمال المشروع، سترتفع الطاقة الاستيعابية من 80 ألف راكب يوميًا إلى نحو 220 ألف راكب؛ رقم يعكس إدراك الدولة لحقيقة بسيطة لكنها حاسمة: المدن لا تُدار بالسيارات الخاصة، بل بمنظومات نقل جماعي كفؤة وجاذبة.

بهذا الحجم، يصبح ترام الرمل جزءًا من العمود الفقري للنقل داخل الإسكندرية، متكاملًا مع مشروعات أكبر، مثل مترو الإسكندرية ومحاور الطرق الحديثة، ليشكل شبكة حركة تُخفف الضغط عن الشوارع، وتعيد التوازن بين الإنسان والمكان.

المدينة حين تختار بيئتها

التصميمات الجديدة لقطارات ترام الرمل الكهربائية ليست مجرد تحديث شكلي، بل اختيار استراتيجي. النقل الكهربائي هنا يحمل رسالة بيئية واضحة: تقليل الانبعاثات، خفض التلوث، وتحويل المدينة إلى مساحة أكثر قابلية للحياة.

القطارات الجديدة، بتصميمها الانسيابي، وتجهيزاتها الحديثة، وأنظمة الأمان المتقدمة، وإتاحتها لذوي الهمم، تعكس تصورًا مختلفًا لدور المرفق العام، فلم يعد النقل الجماعي حلًا اضطراريًا، بل خيارًا حضريًا راقيًا، قادرًا على منافسة السيارة الخاصة من حيث الراحة والكفاءة.

ترام الرمل ورؤية الدولة

لا يمكن قراءة هذا المشروع بمعزل عن الاستراتيجية الأشمل للدولة المصرية، التي جعلت من تطوير النقل الجماعي محورًا رئيسيًا للتنمية الحضرية؛ فالدولة التي تعيد بناء الطرق، وتطور الموانئ، وتنشئ المدن الجديدة، تدرك أن المدينة القديمة تحتاج بدورها إلى إعادة ضبط إيقاعها.

فتطوير ترام الرمل يعكس فهمًا عميقًا بأن التنمية ليست إسفلتًا فقط، بل إدارة حركة البشر، فالاقتصاد لا ينمو في مدن مختنقة، والبيئة لا تُحمى بالشعارات، بل بالاختيارات اليومية.

حين يصبح الترام سردية مدينة

وفي النهاية ترام الرمل لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبح سردية جديدة للإسكندرية؛ سردية مدينة تحاول أن تتصالح مع تاريخها دون أن ترتهن له، وأن تمضي نحو المستقبل دون أن تفقد روحها. على القضبان نفسها التي حملت أجيالًا من السكندريين، ستتحرك قطارات جديدة، أسرع وأنظف وأكثر انضباطًا، حاملة معها تصورًا مختلفًا للمدينة الممكنة.

في هذا المشروع، لا تعلن الإسكندرية عن قطارات جديدة فحسب، بل تعلن عن إعادة ترتيب علاقتها بالزمن والحركة والحياة. هنا، يصبح الترام أداة تنمية، والرحلة فعل تحرر من الاختناق، وتتحول المدينة من مساحة تُستهلك إلى كيانٍ يُدار بعقلٍ واستبصار.

تم نسخ الرابط