عودة مبدأ مونرو.. كيف تعيد واشنطن احتلال العالم بلا جيوش؟ حوار
في عالم لا يتحرك بالصدفة، تبدو بعض التحركات الدولية وكأنها مشاهد منفصلة، لكنها في الحقيقة أجزاء من لوحة أكبر يُعاد رسمها بهدوء، ومن فنزويلا إلى جرينلاند، تتحرك الولايات المتحدة بخطوات محسوبة، فيما تتقاطع المصالح، وتتزاحم القوى الكبرى على مسرح دولي لم يعد يعترف بالمسافات، بل بالقيمة الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، أجرى موقع"الجمهور" الإخباري، حوار مع لانا بدفان، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة موسكو، ليحاول تفكيك المشهد الجيوسياسي الراهن: لماذا فنزويلا؟ ولماذا جرينلاند؟ وما الذي تغير في قواعد اللعبة العالمية؟

هل التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه فنزويلا وجرينلاند مجرد مصادفة؟
وفق التحليل الواقعي في العلاقات الدولية، ما يحدث ليس مصادفة على الإطلاق، فنحن أمام إحياء متطور لما يُعرف بـ"مبدأ مونرو"، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد السيطرة تعني بالضرورة التدخل العسكري المباشر، بل إحكام النفوذ السياسي والاقتصادي.

ولماذا فنزويلا تحديدًا؟
فنزويلا يُنظر إليها كخزان طاقة استراتيجي بالغ الأهمية، والسيطرة عليها، سواء عبر العقوبات أو الضغط السياسي، تهدف بالأساس إلى قطع الطريق أمام النفوذ الصيني والروسي في ما تعتبره واشنطن "حديقتها الخلفية"، والهدف الأعمق هو ضمان تدفق النفط من مصادر قريبة ومستقرة نسبيًا، بعيدًا عن تقلبات الشرق الأوسط.

وماذا عن جرينلاند؟ لماذا تحظى بكل هذا الاهتمام؟
جرينلاند هي بوابة القطب الشمالي، والقطب الشمالي هو مسرح الصراع العالمي القادم، والسيطرة أو النفوذ هناك تعني التحكم في ممرات ملاحة جديدة ستفتح مع ذوبان الجليد، إضافة إلى موارد هائلة من الغاز والمعادن النادرة، وهذه التحركات تمثل ردًا استراتيجيًا مباشرًا على ما تسميه بكين "طريق الحرير القطبي".

نحن أمام صراع على الممرات والموارد؟
بالضبط، الهدف الأمريكي الواضح هو إغلاق ممر الملاحة الشمالي أمام الصين، وتحويل القطب الشمالي إلى ما يشبه "بحيرة تابعة لحلف الناتو"، بما يضمن السيطرة الغربية على الموارد المعدنية النادرة التي ستشكل العمود الفقري لتكنولوجيا المستقبل.
هل ما زالت الولايات المتحدة تعتمد على النموذج الاستعماري التقليدي؟
لا.. هناك شبه إجماع بين خبراء الجيوسياسة على أن النموذج الأمريكي تطور من "الاستعمار العسكري" إلى "الهيمنة المالية والتقنية"، واليوم، تُستخدم العقوبات الاقتصادية وسلاح الدولار كأدوات رئيسية للسيطرة على موارد الطاقة، كما نرى في الحالة الفنزويلية.

هل الهدف هو النفط فقط؟
النفط جزء من الصورة، لكنه ليس الهدف النهائي، الهدف الأعمق هو منع تشكل نظام نقدي عالمي بديل، قائم على عملات مدعومة بالموارد الطبيعية، وهو ما قد يهدد مكانة الدولار كنقطة ارتكاز للنظام المالي العالمي.
إلى أي مدى يشكل التحالف الروسي الصيني تهديدًا لواشنطن؟
هذا التحالف يُعد التهديد الأكبر للهيمنة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، من المنظور الروسي، هو تحالف ضرورة لكسر القطبية الأحادية، أما من المنظور الأمريكي، فهو تحدٍ مباشر لـ"نظام القواعد" الذي تقوده واشنطن، خصوصًا في قلب أوراسيا.

هناك حديث متزايد عن "يالطا جديدة".. ما المقصود بذلك؟
داخل المدرسة الواقعية، يوجد تيار يرى أن الاستقرار العالمي القادم قد يتطلب إعادة توزيع مناطق النفوذ، أو ما يمكن تسميته بـ"يالطا جديدة". هذا الطرح يصطدم ظاهريًا بالرؤية الليبرالية الأمريكية التي ترفض فكرة مناطق النفوذ، لكنها قد تقبل بها عمليًا لتجنب صدام نووي شامل.
ما الذي نشهده حاليًا؟ نزاعات أم تحولًا أعمق؟
ما يحدث هو زلزال جيوسياسي يعيد تشكيل الهياكل الأساسية للنظام الدولي، وليس مجرد مناوشات حدودية، والدليل على ذلك هو الانتقال من "العولمة الشاملة" إلى "العولمة المجزأة"، حيث نرى سلاسل توريد منفصلة، وأنظمة مالية موازية، مثل نظام سويفت الغربي في مواجهة أنظمة البريكس.

وكيف تصف القوى الكبرى هذه المرحلة؟
العلماء الروس يصفونها بـ"نهاية الهيمنة الغربية التي استمرت 500 عام"، بينما يفضل الأمريكيون توصيفها بـ"عودة منافسة القوى الكبرى" في الحالتين، الخريطة العالمية تُعاد صياغتها، من "عالم بلا حدود" إلى "عالم الكتل الحيوية المكتفية ذاتيًا".
ما شكل الاستقرار في هذا النظام الجديد؟
الاستقرار لن يقوم على القانون الدولي التقليدي أو التفاهمات الدبلوماسية وحدها، بل على "توازن الرعب" ووضوح الخطوط الحمراء، فالنظام العالمي القادم سيكون أكثر انضباطًا، لكنه أقل حرية.

أين ستتركز الصراعات؟
الصراعات لن تنتهي، لكنها ستنتقل إلى "المناطق الرمادية" غير المحسومة، بينما تظل المناطق الجوهرية مثل فنزويلا وجرينلاند وأوكرانيا نقاط ارتكاز ثابتة في خريطة القوى الجديدة، حيث تتفاهم واشنطن وموسكو وبكين على قواعد لعبة لا يكتبها الضعفاء.



