ما هي تداعيات عملية اعتقال مادورو على دول القارة السمراء؟
أثارت العملية التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته موجة قلق واسعة داخل الأوساط الإفريقية، حيث ساد تخوف من احتمال تكرار سيناريو مشابه داخل القارة، ولا سيما في ظل ما تزخر به من ثروات طبيعية، وما تشهده بعض دولها من صراعات داخلية وتحديات أمنية تُستخدم غالبًا كمبررات للتدخل الخارجي.
واشنطن تسير بخطى متسارعة نحو فرض واقع دولي
وتنامى الاعتقاد بأن واشنطن تسير بخطى متسارعة نحو فرض واقع دولي جديد تحكمه اعتبارات القوة والنفوذ، على حساب القواعد القانونية والمؤسسات الدولية التي تشكلت عقب الحرب العالمية الثانية.

وخلال العام الأول من ولايته الثانية، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجه أكثر حدة في سياسته الخارجية، بعدما نفذ تهديداته السابقة تجاه فنزويلا، عبر عملية عسكرية غير مسبوقة أسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته من مقر إقامتهما شديد التحصين في العاصمة كاراكاس.
وبرر ترامب هذه الخطوة باستدعاء مبدأ مونرو الذي يعود إلى عام 1823، والقائم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالًا حصريًا للنفوذ الأمريكي، قبل أن يعيد تقديمه بصيغة جديدة أطلق عليها اسم "مبدأ دونرو"، في إشارة واضحة إلى نزعة أحادية أكثر صراحة.
وقد أعاد هذا التحرك الأمريكي إلى الواجهة مخاوف إفريقية قديمة من لجوء القوى الكبرى إلى إجراءات منفردة عند التعامل مع الدول الأضعف، وهو ما يُنذر بتآكل النظام الدولي القائم على التعددية واحترام السيادة.
وتتجلى هذه المخاوف في عدة جوانب، من بينها استخدام القوة العسكرية دون تفويض من مجلس الأمن، إضافة إلى الغموض الذي يكتنف مستقبل الحكم في الدول التي تتعرض لمثل هذه التدخلات.

وتُظهر تجارب سابقة أن إسقاط الأنظمة بالقوة الخارجية لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل غالبًا ما يخلق فراغًا سياسيًا، ويُدخل الدول في دوامات طويلة من الفوضى وعدم اليقين، مع نتائج غير محسوبة.
وعلى الصعيد الإفريقي، سارعت عدة دول إلى إدانة ما جرى، من بينها جنوب إفريقيا وناميبيا ومالي وبوركينا فاسو وغانا، في حين فضّلت دول أخرى التريث والتعامل بحذر بالغ مع التطورات.
وضع الرئيس الفنزويلي
ومن منظور قانوني بحت، يبقى وضع الرئيس الفنزويلي معقدًا واستثنائيًا، نظرًا لتشابكه مع منظومة العقوبات الدولية، والجدل المستمر حول شرعيته الانتخابية، والصراع الممتد مع الولايات المتحدة.
ورغم هذه الخصوصية، عبّر وزير الاتصالات والتكنولوجيا في غانا، صامويل نارتي جورج، عن قلق بلاده إزاء التداعيات المحتملة للعملية على الأمن الدولي واحترام السيادة الوطنية.
وفي تعليق نشره عبر منصة "إكس"، طرح الوزير تساؤلات لافتة حول مستقبل المنطقة، متسائلًا عمّا إذا كانت أمريكا اللاتينية مقبلة على تكرار سيناريوهات شهدها العالم سابقًا في ليبيا أو العراق.
ويعكس هذا التصريح الموقف الرسمي لغانا، إذ أصدرت وزارة خارجيتها بيانًا شديد اللهجة أدانت فيه ما وصفته بالتدخل الأحادي في الشأن الفنزويلي.

وأكد البيان رفض أكرا القاطع لاستخدام القوة دون غطاء دولي، معتبرًا أن مثل هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة، وتهديدًا مباشرًا لسيادة الدول وسلامة أراضيها واستقلال قرارها السياسي.
وفي السياق ذاته، امتلأت وسائل الإعلام الإفريقية بتكهنات وتساؤلات حول الجهة التي قد تكون الهدف التالي، مشيرة إلى مناطق يُحتمل أن تستقطب اهتمام واشنطن، مثل إقليم كابو ديلغادو في موزمبيق الغني بالموارد الطبيعية، أو شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث سبق أن رعت الولايات المتحدة اتفاق سلام لا يزال عرضة للانتهاك من الأطراف المتنازعة.



