الضربة في فنزويلا والتهديد للصين.. ما علاقة بكين بما حدث لـ مادورو؟
لم يكن إعلان الولايات المتحدة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته مجرد دفاع عن امن الولايات المتحدة الأمريكية فحسب كما يصور الرئيس الامريكي للعالم، لكن الأحداث في مضمونها لها تطورًا بالغ الحساسية، لا سيما أنه جاء بعد أقل من 10 ساعات على لقاء مادورو بمبعوث الرئيس الصيني شي جين بينغ في كاراكاس.
واعتبر مراقبون هذا التوقيت رسالة سياسية مباشرة من واشنطن إلى بكين، تعكس نية أمريكية واضحة لإعادة رسم موازين النفوذ الجيوسياسي في فنزويلا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، التي تُعد تقليديًا ضمن نطاق النفوذ الأمريكي، بحسب موقع«moderndiplomacy».
التداعيات الأخيرة رسالة مبطنة لبكين
وترى الصين أن ما جرى يمثل أخطر تدخل عسكري أجنبي خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، ويهدف إلى الإطاحة بنظام حليف لبكين وقطع صلتها المباشرة بالحكومة الفنزويلية وشبكة مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية هناك، وبحسب التقديرات الصينية، فإن هذا التحرك لا يستهدف كاراكاس وحدها، بل يوجّه ضربة مباشرة للوجود الصيني المتنامي في أمريكا اللاتينية.
مخاوف صينية على الجالية والمصالح
أثار التصعيد الأمريكي قلقًا بالغًا لدى الحكومة الصينية بشأن سلامة جاليتها الكبيرة وقوتها العاملة ومنظماتها في فنزويلا، وعلى إثر ذلك، أصدرت بكين بيانًا رسميًا حذّرت فيه مواطنيها من السفر إلى فنزويلا في المرحلة المقبلة، داعية الموجودين هناك إلى توخي أقصى درجات الحذر، ومراقبة الأوضاع الأمنية عن كثب، وتجنب مناطق النزاع، والاستعداد لحالات الطوارئ بالتواصل الفوري مع الشرطة المحلية والسفارة الصينية.

النفط في صلب المواجهة
في المقابل، اتهمت السلطات الصينية إدارة ترامب بالسعي للسيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية، الأكبر عالميًا، والإضرار بالمصالح الصينية، واستندت بكين في هذا الاتهام إلى ما وصفته بمؤشرات استخباراتية واضحة، أبرزها توسع شركة شيفرون الأمريكية في إنتاج النفط الفنزويلي رغم العقوبات المفروضة، ومنح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) موافقات استثنائية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 سمحت باستئناف التصدير، ثم تصريح جديد في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لاستئناف الإنتاج.
وترى التحليلات الصينية أن هذه الخطوات تكشف ازدواجية المعايير الأمريكية، وتؤكد أن العقوبات تُستخدم أداةً سياسية لإقصاء المنافسين، وعلى رأسهم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، عن موارد الطاقة الفنزويلية.
رفض صيني للتدخل العسكري
وبحسب الرؤية الصينية، فإن هذا التدخل الأمريكي يُعد الأول من نوعه في أمريكا اللاتينية منذ غزو بنما عام 1989، وهو ما تعتبره بكين سابقة خطيرة وتحديًا مباشرًا لنفوذها ونفوذ حلفائها في المنطقة، لذلك، رفضت الصين بشكل قاطع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن اعتقال مادورو ونقله جوًا خارج البلاد، مؤكدة أن ما جرى لا يمت بصلة لإنفاذ القانون الدولي.
دعم صيني للموقف الفنزويلي
وأيدت وزارة الدفاع الصينية تصريحات وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو، التي أكد فيها استعداد بلاده لمقاومة أي وجود عسكري أجنبي، واتهامه القوات الأمريكية باستهداف مناطق مدنية، كما أعلنت بكين دعمها للحكومة الفنزويلية في نشر قوات عسكرية وشرطية شعبية لضمان السيادة والاستقرار.
ودعت الصين، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، إلى عقد جلسة طارئة لإدانة التدخل الأمريكي ومحاولات تغيير النظام بالقوة، والتأكيد على حق فنزويلا في تقرير مصيرها والدفاع عن سيادتها وفقًا لميثاق الأمم المتحدة.
جذور التحالف الصيني–الفنزويلي
ترجع حساسية الموقف إلى العلاقات الاستراتيجية العميقة بين الصين وفنزويلا، إذ كانت كاراكاس أول دولة ناطقة بالإسبانية تدخل في شراكة تنموية استراتيجية مع بكين عام 2001. وأسهمت هذه الشراكة في فتح آفاق تجارية بمليارات الدولارات، وتعزيز الوجود الصيني في فنزويلا، وهو ما أثار غضب واشنطن ودفعها منذ عام 2017 إلى فرض عقوبات مالية واقتصادية خانقة.
صراع نفوذ مفتوح
في ضوء هذه المعطيات، ترى بكين أن ما حدث لمادورو لا يمكن فصله عن صراع النفوذ الدولي، وأن الهدف الأمريكي يتجاوز شعارات مكافحة الإرهاب والمخدرات، ليصل إلى السيطرة على موارد فنزويلا النفطية وتقويض النفوذ الصيني في أمريكا الجنوبية والكاريبي. وبينما تتصاعد التحذيرات من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، يبقى الملف الفنزويلي نقطة اشتعال رئيسية في التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين.



