البحيرات الشمالية.. معركة مصر من أجل المياه والثروة السمكية
في شمال مصر، حيث يحتضن البحر الأبيض المتوسط مجموعة من البحيرات التي تشكل شرايين الحياة الاقتصادية للمنطقة، تتكشف اليوم جهود الدولة المصرية في إعادة تأهيل وتنمية هذه المسطحات المائية الحيوية.
البحيرات الشمالية
خمسة من هذه البحيرات الشمالية – مريوط، إدكو، البرلس، المنزلة، والبردويل – تشكل قلب إنتاج الأسماك في البلاد، حيث تنتج أكثر من 75٪ من إجمالي الإنتاج السمكي في مصر، بما يضمن ملايين فرص العمل ويغذي الاقتصاد الوطني.

إلا أن هذه البحيرات كانت تعاني خلال السنوات الماضية من تراجع المساحات المائية وارتفاع التلوث الناتج عن التوسع في الأنشطة الزراعية والصناعية، وانتشار المزارع السمكية، ما دفع وزارة الموارد المائية والري إلى التحرك العاجل.
وكان عقد عقد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، اجتماعًا موسعًا لمتابعة موقف مجهودات الوزارة بالتعاون مع جهات الدولة المختلفة لتطوير البحيرات الشمالية، والحفاظ على التوازن المائي والبيئي لها، مع التركيز على تنفيذ أعمال التكريك وحماية الشواطئ لخدمة الصيادين في مصب فرع رشيد، ومصب مصرف جمصة، ومنطقة طوال أبو الروس بدمياط.
وأكد الوزير أن الهدف الأساسي من هذه الجهود هو تحسين نوعية المياه بالبحيرات الشمالية، بما ينعكس مباشرة على تنمية الثروة السمكية، وتأمين فرص العمل لعدد كبير من الصيادين، وتحسين دخولهم المعيشية، مع الحفاظ على استدامة الموارد الطبيعية.
خطوات عملية على الأرض
تضمنت أعمال تطوير البحيرات الشمالية تنفيذ مشاريع حماية وتكريك عدة، أبرزها: حماية وتكريك بوغازي أشتوم الجميل المغذيين لبحيرة المنزلة، بما يضمن بقاء هذه البواغيز مفتوحة بشكل دائم لتجديد المياه بين البحر المتوسط والبحيرة.

وكذا تنفيذ ألسنة صناعية في بوغازي الجميل 1 و2 وبوغاز الصفارة، وتطهير القنوات الشعاعية الممتدة على طول البواغيز، مع إنشاء حواجز معدنية وبوابات أسفل كوبري الجميل 1 وكوبري بوغاز الصفارة.
بالاضافة إلى إقامة حائط بحري بطول 3 كيلومترات لحماية منطقة شرق حائط عزبة البرج في طوال أبو الروس، مع استمرار العمل في المرحلة الثانية بطول 1.7 كيلومتر، تمهيدًا لإستكمال الحماية الكاملة بطول إجمالي يصل إلى 12 كيلومتر، لحماية المزارع السمكية التي تبلغ مساحتها 4500 فدان.
وتكريك مصب النيل فرع رشيد لتوفير ممر ملاحى آمن لمراكب الصيد، وإزالة الترسيبات المتراكمة، مع تكريك مصب مصرف جمصة باستخدام 150 ألف متر مكعب من المواد، وإنشاء رؤوس حجرية لتسهيل الحركة الملاحية للصيادين.
أرقام ومؤشرات الإنتاج
وفق الوزارة، يبلغ إجمالي إنتاج مصر من الأسماك حاليًا نحو 1.82 مليون طن، منها حوالي 182 ألف طن تنتجها البحيرات الشمالية، وهو ما يبرز أهميتها الحيوية.
وقد شمل المشروع: تعميق وتطهير البواغيز، وإنشاء حزام آمن لبحيرة البرلس للحد من التلوث وحماية المسطح المائي، وكذا تطوير بحيرة قارون وإنشاء حوض تهدئة أمام مصب مصرف البطس، وتركيب بدالات هوائية لتحسين خواص المياه، وتأهيل وتشغيل محطة تحضين أبو شنب بمحافظة الفيوم لإنتاج الزريعة السمكية.
بالاضافة إلى إزالة التعديات والنموات النباتية في بحيرة المنزلة، واستكمال تطوير المناطق الحيوية مثل الجمالية والنسايمة ودشدة، لضمان صحة المخزون السمكي وسلامة البيئة، وكذا أعمال تطهير وبناء ممرات مائية في بحيرة إدكو، بما يساهم في زيادة الإنتاجية السمكية.

وتطوير بحيرة مريوط بإنشاء ممرات مائية بطول 430 متر، وتطوير مساحات واسعة بمختلف الأحواض لضمان تجدد المخزون السمكي، بالاضافة إلى الحفاظ على فترة الراحة البيولوجية في بحيرة ناصر، وزيادة حجم المخزون السمكي بنسبة 30٪ عن العام السابق، مع إعادة تأهيل وتشغيل مفرخات أسوان لإنتاج الزريعة.
أثر التنمية على البيئة والمجتمع
مشروعات التطوير لم تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل أسهمت في تحسين البيئة المائية، والحد من التلوث، وترشيد استخدام المياه، وحماية الثروة السمكية، إضافة إلى زيادة فرص العمل وتحسين دخل الصيادين.
كما ساعدت هذه الجهود في الحد من ظاهرة التعديات على البحيرات، وإزالة النباتات المائية الضارة، وتوفير مسارات مائية آمنة للمراكب.

يؤكد المتابعون أن مشروع تطوير البحيرات الشمالية يمثل نموذجًا متكاملًا لاستدامة الموارد الطبيعية، حيث يجمع بين حماية البيئة، وزيادة الإنتاجية، ودعم الاقتصاد المحلي، وتحسين حياة المجتمعات المحيطة بهذه المسطحات المائية الحيوية.
نحو مستقبل مستدام
وفي النهاية تظل البحيرات الشمالية في مصر قلب الإنتاج السمكي، وشريانًا للحياة الاقتصادية والاجتماعية. ومشروعات التطوير هذه تمثل بداية مرحلة جديدة من الإدارة المستدامة للموارد المائية، ورفع كفاءة النظام البيئي، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، وهو ما يجعلها نموذجًا يحتذى في إدارة الموارد الطبيعية على مستوى الوطن العربي.

