الاسكندرية تستعد لمرحلة جديدة.. المشروع الذي اعاد الحياة في أبو مينا
محافظة الإسكندرية، المدينة التي اعتادت أن تقف على الحافة بين البحر والتاريخ، لا تحفظ ذاكرتها بالحجر وحده، بل بما تخوضه من صراع دائم مع الزمن والطبيعة معًا.
ففي أرضها تختلط القداسة بالجغرافيا، ويصبح الدفاع عن الماضي فعلًا واعيًا في الحاضر، حين تهدد المياه ما شيده الإيمان قبل قرون؛ هنا، لا يكون إنقاذ الأثر مجرد مشروع هندسي، بل حوارًا عميقًا بين الإنسان والمكان، بين ما كان وما يجب أن يبقى.

مدينة برج العرب
بدات القصة الملحمية في قلب الصحراء الغربية، وعلى أطراف مدينة برج العرب بمحافظة الإسكندرية، حيث تقف منطقة أبو مينا الأثرية شاهدًا نادرًا على تاريخ ديني وإنساني عميق، كاد أن تبتلعه المياه الجوفية لولا تدخل علمي وهندسي بالغ الدقة.
هنا، حيث تلاقت قدسية المكان مع تعقيدات الجغرافيا، خاضت الدولة المصرية واحدة من أدق معاركها للحفاظ على تراث مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
أبو مينا موقع عالمي وخطر صامت
تقع منطقة أبو مينا الأثرية على بُعد نحو 12 كيلومترًا من مدينة برج العرب، وتعود آثارها إلى ما بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين. وقد بدأت كقرية صغيرة حول مدفن القديس مينا، ثم تحولت في أواخر القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس إلى أحد أهم مراكز الحج المسيحي في مصر والعالم القديم، قبل أن تُسجل رسميًا كموقع أثري عام 1956، وتُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1979.
لكن هذا الموقع الاستثنائي واجه خلال العقود الأخيرة خطرًا وجوديًا تمثل في ارتفاع منسوب المياه الجوفية، وهو خطر غير مرئي للعين المجردة، لكنه كفيل بتدمير الأساسات، وزعزعة التربة، وتهديد القبر والكنائس والبازيليكات التاريخية بالانهيار.

مشروع إنقاذ استثنائي على مرحلتين
أمام هذا التحدي، أطلقت الدولة مشروعًا قوميًا بالغ الأهمية لخفض منسوب المياه الجوفية بمنطقة أبو مينا الأثرية، نُفذ تحت إشراف علمي دقيق من المركز القومي لبحوث المياه، وبالتنسيق الكامل مع وزارة السياحة والآثار.
المرحلة الأولى العلم قبل التنفيذ
ركزت المرحلة الأولى من المشروع على التقييم والدراسة، وشملت: تقييم نظام التجفيف القديم الذي كان يعمل بالموقع، ودراسة تأثير سحب المياه على ثبات قبر القديس مينا من الناحية الإنشائية، وكذا تحليل أثر عمليات السحب على هبوط التربة المحيطة بالمباني الأثرية.
وكان الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو التأكد من أن أي تدخل هندسي لن يؤدي إلى نتائج عكسية أو أضرار إنشائية غير محسوبة.
المرحلة الثانية تدخل هندسي محكم
وجاءت المرحلة الثانية لتترجم الدراسات إلى واقع ملموس، وشملت: تنفيذ 57 بئرًا جوفية تحيط بالموقع الأثري بالكامل، بالاضافة إلى تنفيذ 13 بئرًا إضافيًا تعمل كـ«خط دفاع أول» حول منطقة القبر، وكذا إنشاء شبكة جديدة لطرد المياه المسحوبة بطول يقارب 5500 متر طولي، وتحديث منظومة التحكم الكهروميكانيكية بالكامل، من خلال تغيير الكابلات، والبواطات، ومفاتيح التحكم، ووضع معدلات سحب تدريجية للمياه لضمان عدم التأثير سلبًا على الحالة الإنشائية للقبر والمباني المحيطة.
وقد أسفرت هذه الجهود عن إنجاز لافت، حيث تم خفض منسوب المياه داخل القبر بمقدار 75 سنتيمترًا خلال أقل من 24 ساعة فقط من تشغيل طلمبات الرفع، دون تسجيل أي تأثيرات إنشائية سلبية.

إشراف علمي وتنسيق مؤسسي
نُفذت أعمال المشروع تحت إشراف مباشر من معاهد بحوث: لاعمال المياه الجوفية، والصرف، والإنشاءات، والميكانيكا والكهرباء؛ وذلك في إطار تنسيق مؤسسي كامل مع وزارة السياحة والآثار، لضمان الجمع بين متطلبات الحماية الأثرية والدقة الهندسية.
ملامح موقع يستعيد حياته
فيما أظهرت الصور الأولى بعد خفض منسوب المياه تحسنًا واضحًا في حالة الموقع، بالتوازي مع: تثبيت العناصر المعمارية للبازيليكا وكنيسة المدفن والقبر، وكذا إعادة الأحجار المفككة والمتناثرة إلى مواضعها الأصلية، وترميم السور الغربي للبازيليكا.
بالاضافة إلى تنفيذ أعمال ترميم دقيق لحوائط البازيليكا الكبرى والعراميس، والانتهاء من ترميم المدخل الرئيسي، وتنظيف الموقع بالكامل من الحشائش.
كما جرى تنفيذ 12 بئرًا إضافيًا حول منطقة القبر بأعماق تتراوح بين 35 و50 مترًا، وربط شبكة الآبار الجديدة بالكامل بمنظومة التحكم المركزية، مع وضع خطة لمتابعة مناسيب المياه الجوفية لمدة عام كامل بعد التشغيل.
موقع معماري وديني فريد
وتضم منطقة أبو مينا بقايا معمارية ضخمة، من بينها: البازيليكا الكبرى، كنيسة المدفن، المعمودية، دور الضيافة، الحمام المزدوج (بازيليكا الحمامات)، الحمام الشمالي، البازيليكا الشمالية، الكنيسة الشرقية، الكنيسة الغربية.

إلى جانب فناء الحجاج المحاط بالأعمدة الرخامية، ومحلات بيع التمائم والهدايا، ومناطق الاستشفاء، والخزانات المائية، والوحدات السكنية الخاصة بالحجاج.
إنقاذ الماضي برؤية المستقبل
وفي النهاية يمثل مشروع خفض منسوب المياه الجوفية بمنطقة أبو مينا نموذجًا فريدًا لكيفية تدخل الدولة بعلم وصبر واحترام للتاريخ، ليس فقط لحماية آثار صامتة، بل لصون ذاكرة دينية وإنسانية شكلت جزءًا من هوية مصر والعالم.
فبين طلمبات الرفع، وحسابات التربة، وصلوات الحجاج التي سكنت هذا المكان منذ قرون، استعادت أبو مينا أنفاسها من جديد، لتبقى شاهدًا حيًا على أن حماية التراث ليست ترفًا، بل مسؤولية حضارية ممتدة عبر الزمن.

