حين يصبح النفط جريمة.. من بنما لفنزويلا تسلسل العمليات وتحليل توفيق عكاشة
في لعبة الأمم، لا تسير الأحداث عشوائيًا، ولا تتحرك الجيوش بدافع الغضب أو الارتجال، بل تُدار السياسة كفعلٍ بطيءٍ للعقل، حيث يصبح الزمن أداة، والتاريخ رسالة، والجغرافيا تفصيلًا قابلًا للتبديل؛ فالقوة الكبرى لا تكتفي بصناعة اللحظة، بل تعيد استدعاء الماضي ليكون شاهدًا وسلاحًا في آنٍ واحد، وكأنها تقول إن ما جرى يمكن أن يتكرر، متى شاءت، وبالصيغة ذاتها.
فحين يتقاطع النفط مع السلطة، لا تعود الدول مجرد كيانات ذات سيادة، بل تتحول إلى خرائط موارد، تُقاس قيمتها بما تختزنه باطن الأرض لا بما يعلوها من شعارات.

عندها يصبح الاتهام لغةً، والتدخل خيارًا مشروعًا، ويغدو إسقاط الأنظمة فصلًا متكررًا في كتاب الهيمنة، يُعاد قراءته كلما تغيّر العنوان وبقي المضمون ثابتًا.
فنزويلا
في هذا السياق، لا تبدو فنزويلا حدثًا معزولًا، ولا استدعاء بنما مجرد حنين تاريخي، بل مشهدين في مسرح واحد، تتبدل فيه الأدوار وتبقى القاعدة؛ من يملك الطاقة يملك القرار، ومن يهدد تدفقها يضع اسمه على قائمة الانتظار، حيث لا ينسى التاريخ، بل يعود في الموعد نفسه، حاملاً الرسالة ذاتها.
ومن هنا لم يكن الجدل الذي أثاره مقطع الفيديو المنسوب إلى الإعلامي توفيق عكاشة وليد اللحظة، بل جاء كاشفًا لطبقات أعمق من التحركات الأميركية التي تتكرر عبر العقود، بذات الأدوات تقريبًا، وبالأهداف نفسها، مع اختلاف الجغرافيا وتبدّل الوجوه.
فالتزامن بين ما حذر منه عكاشة قبل سنوات، وبين عملية عسكرية أميركية حديثة في فنزويلا، أعاد طرح سؤال مركزي: هل تتحرك واشنطن وفق منطق ردّ الفعل، أم وفق سيناريوهات معدّة سلفًا، يتصدرها النفط وتأمين الهيمنة الاستراتيجية؟

الحرب قبل اشتعالها
في حديثه الذي أعيد تداوله مؤخرًا، لم يتناول توفيق عكاشة فنزويلا كحدث معزول، بل وضعها داخل سياق عالمي أشمل، يقوم على فرضية أساسية مفادها أن المنطقة العربية مقبلة على حرب كبرى، وأن هذه الحرب – إن اندلعت – ستضرب في الصميم شريان الطاقة العالمي.
عكاشة لم يتحدث عن حرب تقليدية، بل عن صراع واسع النطاق تتشابك فيه المصالح الدولية، وتكون فيه إمدادات النفط العامل الحاسم.
ومن هنا، يذهب تحليله إلى أن الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، لا ينتظر اندلاع الأزمات حتى يتحرك، بل يعمل استباقيًا على تأمين بدائل استراتيجية للطاقة.
ضمن هذا المنطق، تصبح فنزويلا حلقة محورية؛ دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وتقع جغرافيًا ضمن المجال الحيوي الأميركي.
مرحلة اضطراب كبرى قد تبدأ من الشرق الأوسط
وبحسب عكاشة، فإن وضع اليد على النفط الفنزويلي ليس هدفًا آنيًا، بل جزء من استعداد بعيد المدى لمرحلة اضطراب كبرى قد تبدأ من الشرق الأوسط.
العمليات الأميركية نمط يتكرر لا حدث طارئ؛ بنما 1989–1990، النموذج الأول الواضح؛ بدأت القصة في 20 ديسمبركانون الأول 1989، حينما أطلقت الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة لغزو بنما تحت اسم «القضية العادلة».

العملية لم تكن مفاجئة في سياقها، بل جاءت بعد سنوات من التوتر المتصاعد مع الرئيس البنمي مانويل نورييغا، الذي كان في الأساس حليفًا لواشنطن، بل وأحد رجالها في المنطقة.
التسلسل الزمني
دعمت الولايات المتحدة نورييغا خلال سنوات صعوده، ثم تصاعد استقلال قراره السياسي، ثم توجيه اتهامات بالفساد وتهريب المخدرات، ثم اتهامه بتهديد أمن قناة بنما.
في عملية خاطفة شدنت الولايات المتحدة الامريكية غزو عسكري شامل، يحث تم اعتقال نورييغا في 3 يناير 1990، فيما تم نقله إلى الولايات المتحدة ومحاكمته.
الهدف الحقيقي من العملية لم يكن إسقاط نورييغا وحده، بل إعادة ضبط السيطرة الأميركية الكاملة على ممر استراتيجي عالمي، ومنع أي نموذج استقلالي داخل «الفناء الخلفي».

ما بعد الحرب الباردة
وفي عملية جديدة حدثت خلال التسعينيات وبداية الألفية، انتقلت واشنطن من الانقلابات المباشرة إلى أدوات أكثر نعومة شملت عقوبات اقتصادية، وحصار سياسي، ودعم معارضات داخلية؛ لكن القاعدة بقيت واحدة: أي نظام يخرج عن الطاعة، يصبح هدفًا مشروعًا.
فنزويلا من الاحتواء للضربة المباشرة
منذ صعود هوغو تشافيز، ثم نيكولاس مادورو، دخلت فنزويلا في مسار تصادمي مع الولايات المتحدة، السبب الجوهري لم يكن الخطاب السياسي فقط، بل التحكم في النفط.
التسلسل الزمني للأزمة الفنزويلية
بدأت القصة مع فرض عقوبات اقتصادية متدرجة؛ ثم مرحلة العزل السياسي والدبلوماسي، ثم اتهامات متصاعدة بتهريب المخدرات، انتقالا بمحاولات دعم معارضة داخلية، ثم خنق الاقتصاد، ثم الانتقال إلى الخيار العسكري.

ففي 3 يناير الجاري، أعلنت واشنطن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في عملية عسكرية سريعة، استهدفت كراكاس ومنشآت حيوية، وأنجزت هدفها خلال ساعات.
التاريخ كأداة سياسية
اختيار الثالث من يناير ليس تفصيلًا عابرًاـ ففي السياسة الأميركية، لا يُترك الزمن للصدفة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بإرسال الرسائل، فيوم 3 يناير 1990: تم اعتقال نورييغا؛ وكذا 3 يناير الجاري 2026 تم اعتقال مادورو.
الرسالة واضحة، الولايات المتحدة لا تنسى، وتعيد استخدام التاريخ ذاته لتأكيد ثبات قواعد اللعبة.
شرعنة التدخل
التهمة الجاهزة؛ في الحالتين، استخدمت واشنطن التهمة نفسها: تجارة المخدرات، تهديد الأمن الإقليمي، الإضرار بالمصالح الأميركية.
وهي تهم تمنح غطاءً قانونيًا داخليًا، وكذا مبررًا أخلاقيًا أمام الرأي العام، بالاضافة إلى الشرعية الدولية النسبية للتدخل.
من تحليل عكاشة إلى الواقع
ما طرحه توفيق عكاشة لا يبدو، في ضوء هذا التسلسل، مجرد قراءة إعلامية مثيرة للجدل، بل تحليلًا يستند إلى نمط تاريخي واضح، هوا أن النفط أولوية مطلقة، والحروب تُدار قبل أن تبدأ، وأميركا تؤمّن بدائلها مسبقًا؛ والاخضر هوا ان من يخرج عن المسار، يُستهدف عاجلًا أو آجلًا.
وبينما يرى البعض في تصريحات عكاشة مبالغة، فإن تكرار السيناريو الأميركي، بنفس الأدوات والتوقيتات، يمنح تحليله وزنًا أكبر مما بدا عليه لحظة إطلاقه.

ليست صدفة بل استراتيجية ممتدة
وفي النهاية من بنما إلى فنزويلا، ومن نورييغا إلى مادورو، تتغير الأسماء والخرائط، لكن الاستراتيجية واحدة؛ النفط أولًا، والهيمنة دائمًا، والتاريخ يُستدعى حين يلزم.
وفي هذا السياق، لا تبدو العمليات الأميركية أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، تُدار بعقل بارد، وتُنفذ حين تقتضي المصلحة، حتى لو بعد عقود.
أما السؤال الأخطر، فيبقى مفتوحًا؛ إذا كانت فنزويلا جزءًا من استعدادات ما قبل الحرب، فأين ستكون نقطة الاشتعال القادمة؟.



