بين وداع عام واستقبال آخر.. الأزهر يدعو لمراجعة النفس وكسر أوهام الزمن
مع انقضاء عامٍ وطلوع آخر، تتزاحم الأسئلة في ذهن الإنسان، ماذا حمل الماضي؟ وماذا يُخفي القادم؟ وفي هذا التوقيت تحديدًا، تتعالى أصوات التنجيم والتكهن، وتنتشر نبوءات لا تستند إلى علم ولا يقين، كأن الزمن كائن غامض يحمل مفاتيح الخير والشر.
هنا يضع مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية إطارًا واعيًا للتعامل مع لحظة الانتقال بين عامين، لا بوصفها طقسًا عابرًا، بل فرصة للتأمل والمراجعة وتصحيح البوصلة.
الغيب.. خط أحمر لا يُقترب منه
وأكد الأزهر أن الغيب ملكٌ خالص لله سبحانه وتعالى، لا يشاركه فيه أحد، وأن ادعاء معرفته أو الترويج لمن يزعمون ذلك من منجّمين وعرّافين، هو تعدٍّ على ما اختص الله به نفسه، موضحًا أن الانشغال بتوقعات الأبراج أو استشارة مدّعي علم الغيب مع بداية عام جديد لا يُعد مجرد تسلية، بل تضليلٌ للعقل الذي كرّمه الإسلام، وسلوك محرّم يفتح باب الوهم بدل اليقين.
ربّ الأمس هو ربّ الغد
وفي مواجهة النزعة البشرية لربط المصير بالأزمنة، يلفت الأزهر إلى معنى جوهري، وهو رب العام المنصرم هو رب العام القادم، لافتًا إلى أن الخير والشر لا ينبعان من الزمن ذاته، بل من تقدير الله وتدبيره، مؤكدًا أن الأسباب مطلوبة، والعمل واجب، لكن تعليق الآمال على الزمن وحده، أو تحميله مسؤولية الإخفاق والنجاح، هو خلط بين الوسيلة والمُسبِّب، وبين الظرف وصاحب التدبير.
لا تسبّ الدهر.. فالله هو المدبّر
وعاد الأزهر إلى التوقف عن سبّ الزمن أو التبرم من الماضي، لأن ذلك في جوهره اعتراض غير مباشر على القدر، موضحَا أن العام الذي مضى – مهما حمل من أزمات – لم يخلُ من ستر الله، وعافيته، ونِعمه التي قد لا تُحصى. واستحضار هذه النعم ليس ترفًا معنويًا، بل مدخل حقيقي لدوامها وزيادتها، كما وعد الله الشاكرين.
وأشار الزهر إلى أن النبي ﷺ كان يُحسن الظن بربه، ويكره التشاؤم، ويُعجبه الفأل الحسن، لافتا إلى أن استقبال العام الجديد بروح التفاؤل ليس إنكارًا للصعوبات، بل إعلان ثقة في رحمة الله، ورهانًا على كرمه، وإيمانًا بأن القادم – مهما غَمُض – بيد ربٍّ رحيم لا يخيّب من رجاه.
الزمن يمر… والعمر يُستهلك
وختم الأزهر بالتأكيد على أن تاقب الأيام والسنين ليس حدثًا محايدًا، بل رسالة صامتة: العمر رأس مال الإنسان، حيث أن الوقت هو المورد الوحيد الذي لا يُعوَّض، واستثماره وعيٌ، وإهداره خسارة لا تُرى آثارها فورًا، لكنها تتراكم حتى لحظة الحساب. ومع كل عام يمضي، تُعاد صياغة السؤال الجوهري: ماذا فعلنا بأعمارنا؟



