على أعتاب تغيير كبير.. مشروع تنموي يعيد تنظيم الخدمات بجنوب الجيزة
جنوب الجيزة ليس مجرد اتجاه على الخريطة، بل مساحة تعيش عند تخوم الاحتياج والأمل معًا؛ هناك، حيث تتباطأ المسافات وتثقل الرحلة نحو أبسط الخدمات، تصبح التنمية سؤالًا وجوديًا لا شعارًا عابرًا. ومن هذا الجنوب، تبدأ الحكاية حين تقرر الدولة أن تنقل مركز الاهتمام من الأطراف إلى القلب، ومن الانتظار الطويل إلى الحق القريب.

مشروعات الرعاية الصحية
في هذا السياق، لا تأتي مشروعات الرعاية الصحية بوصفها مباني أو تجهيزات، بل كفكرة أعمق تعيد صياغة علاقة الإنسان بمكانه، وتؤكد أن الكرامة لا تُقاس بحجم المدن، بل بقدرة القرية على حماية حياة ساكنيها؛ هنا، يتحول الاستثمار في الصحة إلى استثمار في الزمن، وفي الإنسان ذاته، لتصبح التنمية فعلًا يوميًا يُمارَس، لا وعدًا يُؤجَّل.
وفي إطار متابعة مشروعات المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" بالقطاع الصحي بمحافظة الجيزة، كان تفقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مركز طب الأسرة بقرية الفهميين، كما تفقد أعمال تشغيل نقطة إسعاف قرية الودي ووحدة طب الأسرة بالقرية نفسها في مركز ومدينة الصف بمحافظة الجيزة.
فلطالما كانت الرعاية الصحية في القرى المصرية مرتبطة بالمسافة، والزمن، والقدرة على الوصول؛ رحلة قد تبدأ بعرض صحي بسيط، وتنتهي بانتظار طويل أو انتقال مرهق إلى مستشفى بعيد. غير أن هذا المشهد يشهد تحولًا جذريًا في عدد من قرى محافظة الجيزة، حيث تتقدم مبادرة «حياة كريمة» بخطى ثابتة نحو بناء نموذج صحي جديد، يضع الخدمة في قلب المجتمع، لا على أطرافه.

منطق جديد للرعاية الصحية الريفية
لا تقوم فلسفة «حياة كريمة» في القطاع الصحي على إنشاء مبانٍ فقط، بل على إعادة تصميم منظومة الرعاية الأولية بحيث تصبح نقطة الاتصال الأولى بين المواطن والنظام الصحي. ويظهر هذا التوجه بوضوح في تطوير مراكز ووحدات طب الأسرة، التي تمثل حجر الأساس في تقديم الخدمات الوقائية والعلاجية، وتقليل الضغط على المستشفيات المركزية والعامة.

مركز طب الأسرة بالفهميين
يمثل مركز طب الأسرة بقرية الفهميين أحد النماذج البارزة لهذا التحول، حيث جرى تجهيزه ليقدم خدمات صحية شاملة تشمل العيادات التخصصية، وغرف الفحص، والمعامل، والصيدلية، بما يتيح للمواطن الحصول على الخدمة الطبية الأساسية دون الحاجة إلى مغادرة نطاق قريته.
ولا يقتصر دور المركز على العلاج فقط، بل يمتد إلى الرعاية الوقائية، والمتابعة الدورية، والتوعية الصحية، وهو ما ينعكس مباشرة على تحسين المؤشرات الصحية العامة، خاصة في ما يتعلق بالأمراض المزمنة، وصحة الأم والطفل.

بين الخطر والنجاة
في القرى، لا يكون الخطر في المرض وحده، بل في الزمن الفاصل بين حدوثه والوصول إلى المساعدة. ومن هنا تأتي أهمية نقطة إسعاف قرية الودي، التي تمثل إضافة نوعية لمنظومة الطوارئ في المنطقة.
تسهم هذه النقطة في تسريع الاستجابة للحالات الحرجة والحوادث، عبر سيارات إسعاف مجهزة، ونظم اتصال مرتبطة بالشبكة القومية للإسعاف، بما يقلل زمن الوصول ويزيد فرص النجاة، خاصة في المناطق التي كانت تعاني سابقًا من بُعد الخدمات الإسعافية.

وحدة طب الأسرة بقرية الودي
إلى جانب خدمات الطوارئ، تبرز وحدة طب الأسرة بقرية الودي كحلقة يومية في حياة المواطنين، حيث تقدم خدمات الرعاية الأولية، والتطعيمات، ومتابعة الحوامل، والأطفال، ومرضى الأمراض المزمنة.
وتعكس الوحدة مفهوم الصحة القريبة، التي لا تكتفي بتشخيص المرض، بل تتابع الإنسان في سياق حياته، وتبني علاقة مستمرة بين مقدم الخدمة والمستفيد، وهو ما يُعد أحد أهم معايير النظم الصحية الحديثة.

بناء المنظومة لا المشروع
ما يجري في قرى الجيزة لا يمكن قراءته كمشروعات منفصلة، بل كجزء من منظومة متكاملة تسعى إلى تحقيق العدالة الصحية، من خلال تطوير البنية التحتية، وتوفير الأجهزة، وتأهيل الكوادر البشرية، وضمان استدامة التشغيل.
وتستهدف هذه المنظومة تقليص الفجوة بين الريف والحضر، ليس فقط في توافر الخدمة، بل في جودتها وانتظامها، بما يعكس تحولًا حقيقيًا في مفهوم التنمية من تدخلات مؤقتة إلى حلول طويلة الأمد.

أثر يتجاوز المباني
الأثر الحقيقي لهذه المشروعات لا يُقاس بعدد الغرف أو الأجهزة، بل بمدى تغير سلوك المواطن الصحي، وزيادة الإقبال على الخدمات الوقائية، وانخفاض الاعتماد على الحلول الطارئة، وهو ما يشير إلى تحول ثقافي تدريجي في علاقة المجتمع بالصحة.
عندما تصبح التنمية ملموسة
في النهاية، تكشف تجربة تطوير القطاع الصحي في قرى الجيزة أن مبادرة «حياة كريمة» لا تستهدف تحسين مستوى المعيشة فحسب، بل تسعى إلى إعادة تعريف معنى الكرامة الإنسانية، حين يصبح العلاج متاحًا، والإسعاف قريبًا، والرعاية حقًا لا عبئًا.

هكذا، تتحول التنمية من خطط مركزية إلى واقع يومي يلمسه المواطن في وحدته الصحية، ومركز أسرته، ونقطة إسعاف لا تفصله عنها سوى دقائق، لتصبح الصحة إحدى الركائز الصلبة للجمهورية الجديدة، لا وعدًا مؤجلًا ولا خدمة بعيدة.



