هل الذكاء الاصطناعي آمن وكيف تحمي الدولة بيانات المواطنين وتحوّل الرقمنة لاقتصاد؟
لم يعد التحول الرقمي مجرد نقل الملفات من الأدراج إلى الشاشات، بل أصبح مشروع دولة يعيد تشكيل طريقة تقديم الخدمات، واتخاذ القرار، وبناء الاقتصاد. في هذا السياق، يؤكد المهندس أحمد حامد، استشاري التحول الرقمي ومستشار عام النظم الأمنية بالجمعية المصرية للأمم المتحدة، أن التحول الرقمي الحقيقي يقوم على ثلاث ركائز أساسية: بنية تحتية قوية، تشريعات حاكمة، وكوادر بشرية مؤهلة، مشددًا على أن أي تجربة تفتقر لإحدى هذه الركائز مصيرها التعثر.



الذكاء الاصطناعي.. عقل الدولة في عصر البيانات
يوضح حامد أن الجدل حول إمكانية الفصل بين التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبح غير منطقي، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي هو «العقل التحليلي» للدولة الرقمية. فبينما يقوم التحول الرقمي بتحويل الإجراءات الورقية إلى بيانات، يتولى الذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات الضخمة بشكل لحظي، وبناء سيناريوهات استباقية تُسهم في تحسين جودة الخدمات، ورفع كفاءة الإدارة الحكومية، وترشيد القرار.
هل يخترق الذكاء الاصطناعي البيانات الشخصية؟
أحد أكثر الملفات حساسية في مسار التحول الرقمي هو حماية الخصوصية. وفي رد حاسم على المخاوف المتداولة، يؤكد حامد أنه لا يوجد اختراق للبيانات الشخصية، موضحًا أن الدولة تطبق معايير تقنية صارمة تمنع أي إساءة استخدام.
ويكشف عن أبرز هذه المعايير، والتي تشمل:
تقليل البيانات: إتاحة الحد الأدنى فقط من البيانات اللازمة للخدمة.
الوصول المُقيد: منع الخوارزميات من تجاوز صلاحيات محددة.
المعالجة اللحظية والمحو الفوري: تحليل البيانات ثم مسحها فورًا دون تخزينها على سحابات خارجية.
أنظمة هجينة: تمنع نقل البيانات الخام خارج الإطار السيادي للدولة.
القانون يحمي المواطن قبل التكنولوجيا
لا يتوقف الأمر عند الحلول التقنية فقط، إذ يشير حامد إلى أن الإطار التشريعي يمثل خط الدفاع الأول، مستشهدًا بالقانون رقم 151 لسنة 2020 الخاص بحماية البيانات الشخصية، والذي يحدد بوضوح من يحق له استخدام البيانات، وكيفية استخدامها، والعقوبات الرادعة في حال إساءة الاستغلال، ما يعزز ثقة المواطن في المنظومة الرقمية للدولة.
الأمن السيبراني.. العمود الفقري للدولة الرقمية
مع توسع الخدمات الرقمية، خاصة مع تجاوز منصة «مصر الرقمية» حاجز 160 خدمة حكومية، أصبح الأمن السيبراني ضرورة قومية. ويصف حامد الأمن السيبراني بأنه «العمود الفقري» لحماية ممتلكات الدولة الرقمية، مؤكدًا أن أي مشروع رقمي بلا ميزانية تأمين سيبراني هو مشروع خطر لا يجب تنفيذه.
ويكشف عن آليات الحماية، والتي تشمل:
عزل البيانات الحساسة عبر سيرفرات وسيطة.
جدران حماية متعددة الطبقات.
أنظمة دفاعية تمنع الاختراقات الخارجية.
تشغيل متواصل دون توقف لضمان استدامة الخدمة.
كيف تتعامل الدولة مع الأنظمة القديمة؟
يشير حامد إلى أن أحد أكبر التحديات هو التعامل مع الأنظمة التكنولوجية القديمة، موضحًا أن الدولة تعتمد مسارين:
مرحلة انتقالية لدمج الأنظمة القديمة مع الجديدة عبر واجهات وسيطة.
تشغيل متوازٍ ببناء نظام جديد واختباره بالكامل قبل إيقاف النظام القديم، لضمان عدم تعطيل مصالح المواطنين.
التحول الرقمي صناعة مكلفة.. لكنها رابحة
يعترف حامد بأن التحول الرقمي يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مثل شبكات الألياف الضوئية، وتكنولوجيا الجيل الخامس، وأنظمة نقل البيانات، إلى جانب تدريب آلاف الكوادر. لكنه يؤكد أن العائد يفوق التكلفة، سواء عبر تحسين كفاءة الخدمات أو جذب الاستثمارات الأجنبية.
الاقتصاد الرقمي.. مصر على خريطة التصدير
في تطور لافت، يوضح حامد أن الاقتصاد الرقمي بات يُسهم بنحو 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعًا بكفاءة الكوادر المصرية. ويشير إلى أن الصادرات الرقمية بلغت 6.2 مليار دولار، مع استهداف الوصول إلى 9 مليارات دولار خلال العام المقبل، بفضل تصدير الخدمات التكنولوجية والأسواق العابرة للحدود.
الإنسان أولًا.. الرهان الحقيقي للتحول الرقمي
يختتم حامد بالتأكيد على أن العنصر البشري هو حجر الزاوية، مثمنًا المبادرات الوطنية التي تستثمر في تدريب الشباب، معتبرًا أن بناء العقول لا يقل أهمية عن بناء الشبكات. فالتكامل بين التكنولوجيا، والتشريع، وتنمية الإنسان هو الطريق الوحيد لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار، وتحقيق عائد اقتصادي وتنموي مستدام يشعر به المواطن مباشرة.


