رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

كيف تُصنع القرارات التي تغير مصائر الشعوب؟ حوار يكشف ما وراء الستار

 من يدير العالم؟
"من يدير العالم؟"

حين نطرح سؤال "من يدير العالم؟"، نفترض ضمنيًا وجود مركز قرار واحد، غرفة مظلمة حيث تُرسم خرائط المصير البشري، لكن الواقع أكثر تعقيدًا وأشد فوضوية، النظام الدولي المعاصر يشبه شبكة عصبية متشابكة، فالسلطة موزعة، ومتنافسة، ومتداخلة بين فاعلين مختلفين، في هذا السياق، أجاب ميسرة بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات في برلين، خلال حواره لـ"الجمهور" عن الكثير من التساؤلات، والتي يأتي في مقدمتها “من يدير العالم؟”.

<strong> ميسرة بكور</strong>
 ميسرة بكور

هل مجلس الأمن هو "مجلس إدارة العالم"؟

مجلس الأمن الدولي يمثل أقرب شيء لمركز سلطة عالمي معترف به قانونيًا، وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، قراراته ملزمة لكل الدول الأعضاء الـ193، ويستطيع المجلس فرض عقوبات اقتصادية تخنق دولًا بأكملها، وتفويض استخدام القوة العسكرية، وإنشاء محاكم جنائية دولية، أو إدارة مناطق نزاع، وهذه الصلاحيات هائلة، لكنها محكومة بعيب بنيوي قاتل، وهو حق الفيتو.

الأخطر من ذلك هو الطريقة التي يُستخدم بها حق النقض، ليس فقط لحماية مصالح وطنية مباشرة، بل أيضًا كورقة مساومة في صراعات لا علاقة لها بالقضية المطروحة، وعلى سبيل المثال، روسيا قد تستخدم الفيتو ضد قرار يدين نظامًا حليفًا في الشرق الأوسط، لا لأنها مهتمة بذلك النظام بالضرورة، بل كرد فعل على عقوبات غربية في أوكرانيا، والولايات المتحدة استخدمت الفيتو عشرات المرات لحماية إسرائيل من الإدانة، ليس فقط بدافع التحالف الاستراتيجي، بل أيضًا بسبب ضغوط لوبيات داخلية وحسابات انتخابية.

هذا النمط يكشف حقيقة قاسية، وهي أن مجلس الأمن ليس مجلس إدارة عالمي بالمعنى الحيادي، بل نادي حصري للأقوياء يحمي مصالح أعضائه أولًا، وقد يخدم السلام العالمي ثانيًا إن توافقت المصالح.

إلى أي مدى تؤثر الشركات الكبرى والبنوك المركزية على السياسات الدولية؟ وهل الاقتصاد العالمي اليوم يحدد السياسة أكثر مما تحدده الحكومات؟

هناك لعبة أخرى أكثر هدوءًا وربما أكثر تأثيرًا، وهي لعبة المال والأسواق، فالشركات متعددة الجنسيات اليوم تتجاوز قوتها الاقتصادية قوة دول بأكملها، مثل أمازون، وآبل، ومايكروسوفت، كل منها تملك قيمة سوقية تتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لمعظم الدول النامية، لكن القوة لا تكمن فقط في الحجم، بل في طبيعة السيطرة.

شركات التكنولوجيا الكبرى تتحكم في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها اقتصادات ومجتمعات بأكملها، وعلى سبيل المثال، جوجل تحدد ما يراه المليارات على الإنترنت، أما فيسبوك وإكس يشكلان النقاش العام والحملات الانتخابية، في حين أمازون تستضيف خوادم حكومات ومؤسسات حساسة، وهذه السيطرة تترجم إلى نفوذ سياسي هائل، غالبًا غير مرئي للعين المجردة. 

واللوبيات الاقتصادية في واشنطن وبروكسل ومراكز القرار الأخرى تنفق مليارات الدولارات سنوياً للتأثير على التشريعات، الأمر لا يقتصر على الرشوة المباشرة، بل يتخذ أشكالًا أكثر دهاءًا مثل تمويل حملات انتخابية، ورعاية مؤتمرات ومراكز أبحاث، وتوظيف سياسيين سابقين ومسؤولين حكوميين في مجالس إدارات الشركات بعد تقاعدهم، وهو ما يُعرف بـ"الباب الدوار"، وهذا التداخل يخلق شبكة مصالح يصعب فيها التمييز بين السياسة العامة والمصلحة الخاصة.

كيف تلعب التحالفات الاقتصادية مثل G7 وG20 دور "مجلس إدارة العالم"؟

توجد طبقة وسيطة من التحالفات الاقتصادية الدولية: مجموعة السبع (G7)، مجموعة العشرين (G20)، منتدى دافوس الاقتصادي، منظمة التجارة العالمية، البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وهذه المنتديات لا تملك سلطة قانونية ملزمة بنفس طريقة مجلس الأمن، لكنها تمارس نفوذًا هائلًا من خلال التنسيق والتوافق.

فمجموعة السبع تضم أكبر الاقتصادات الصناعية في الغرب، الولايات المتحدة، وكندا، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، هذه الدول تمثل حوالي 40% من الاقتصاد العالمي، وكانت تاريخيًا مركز صنع القرار الاقتصادي الدولي، لكن مع صعود الصين والهند والاقتصادات الناشئة، بدا واضحًا أن السبع الكبار لم يعودوا وحدهم في قيادة الاقتصاد العالمي.

من هنا جاءت مجموعة العشرين، التي تضم إلى جانب الغرب الصناعي دولًا مثل الصين، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا، المكسيك، إندونيسيا، تركيا، والسعودية، مجموعة العشرين تمثل أكثر من 80% من الاقتصاد العالمي، وأصبحت المنتدى الأساسي لتنسيق السياسات الاقتصادية الكبرى، خاصة في أوقات الأزمات. 

كيف تؤثر قرارات الفيتو على ملايين المدنيين في مناطق النزاع مثل غزة أو أوكرانيا؟

مجلس الأمن يملك سلطة قانونية لكنه مشلول بالفيتو، والنظام الدولي الحالي مصمم لحماية مصالح الكبار، لا لحماية الضعفاء، وربما الوصف الأدق للنظام الحالي هو "فوضى منظمة"، وهناك قواعد ومؤسسات، لكنها تُحترم حين تخدم مصالح الأقوياء، وتُتجاهل حين لا تخدمها، وهناك قانون دولي، لكنه يُطبق بمعايير مزدوجة صارخة، وهناك خطاب عن حقوق الإنسان والديمقراطية، لكنه يتلاشى أمام الحسابات الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية.

ولا يوجد مكان يظهر فيه فشل النظام الدولي بوضوح أكثر من مناطق النزاع، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع المصالح الاقتصادية، ويدفع المدنيون ثمنًا باهظًا، ففي غزة، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض مرارًا ضد قرارات وقف إطلاق النار، والنتيجة كانت عشرات الآلاف من الشهداء، معظمهم مدنيون، وأطفال، ودمار شبه كامل للبنية التحتية، وحصار إنساني خانق، فالسياسة الأمريكية ليست نتاج تقييم محايد للوضع، بل تشابك معقد من التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ضغوط لوبيات محلية قوية، وحسابات انتخابية داخلية، وبالتالي، فإنه في هذه المعادلة، حياة الأطفال الفلسطينيين تصبح متغيرًا ثانويًا.

وفي أوكرانيا، الوضع معكوس، روسيا تشن حربًا، والغرب يدعم أوكرانيا بالسلاح والعقوبات، لكن مجلس الأمن عاجز تمامًا لأن أحد أطراف النزاع عضو دائم، وهنا تكمن إجابة سؤال، “من يدير العالم؟” والجواب الصادق هو، لا أحد، ولا يوجد مجلس إدارة واحد محكم السيطرة.

تم نسخ الرابط