رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محمد دياب يكتب: قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

محمد دياب
محمد دياب

بهدوء مريب، وبين صمت عربى يكاد يلامس درجة التواطؤ، مرّ مشروع قانون «إعدام الأسرى الفلسطينيين» داخل الكنيست، في قراءة أولى لا تخفي أن ما هو قادم أخطر بكثير، لا ضجة رسمية، لا بيانات غاضبة، ولا حتى موقف يليق بحجم التهديد الذى يطال آلاف الأسرى داخل السجون الإسرائيلية.

الفكرة نفسها ليست جديدة، فقد أعيد طرح القانون أكثر من مرة خلال السنوات الماضية قبل أن يتم تجميده تحت ضغط دولى، لكن إصرار الحكومة اليمينية على بعثه الآن، وفى هذه اللحظة تحديدًا، يكشف حسابات تتجاوز مجرد تشريع داخلي، هذه المرة يبدو أن إسرائيل مستعدة للذهاب إلى نهاية الطريق.

المشروع يفرض على القاضى إصدار حكم الإعدام ضد «أى فلسطينى يُتهم بقتل يهودى بدافع قومى». المعادلة واضحة: هُوية القتيل تحدد مصير المتهم، أما إذا كان القتيل غير يهودى، تسقط التهمة ويسقط معها الإعدام، هكذا يتحوّل القانون إلى أداة انتقام، وإلى تجسيد لعقيدة عنصرية تسعى إلى منح الإعدام الجماعي مشروعية زائفة.
ولم يكن غريبًا أن يثير النص الخاص بطريقة الإعدام بالحقن السامة غضب نقابة الأطباء بعد الزج بهم كشركاء فى تنفيذ القتل، لم يُسمح حتى بسماع اعتراض ممثل النقابة، وتم طرده فورًا من القاعة، فى مشهد يُجسّد دولة تفتح الباب لتشريعات الإعدام وتغلقه أمام أى رأى مخالف.

المفارقة أن تمرير القانون لم يكن قرارًا قانونيًا بقدر ما هو ورقة انتخابية تُلوّح بها شخصية نتنياهو الغارقة فى أزماتها، الائتلاف الحكومي كله اصطف خلف «بن غفير» ليظهر أمام اليمين المتطرف كمن يحمي الأمن القومى ويتبنى الحلول الصارمة.
هكذا تحوّل القانون إلى مزاد سياسى: بن غفير يقدم نفسه كبطل اليمين ، نتنياهو يبحث عن مخرج سياسي قبل أى انتخابات مبكرة والمعارضة تتعمد الغياب حتى لا تُحسب عليها جريمة الإعدام الجماعى القادمة.

ما هو أخطر من الإعدام نفسه، هو التوقيت فبعد حرب غزة 2023، امتلأت السجون بعشرات الآلاف من الأسرى والمعتقلين تحت ظروف غير إنسانية؛ تعذيب، تجويع، وانتهاكات فاضحة وصلت حدّ تصوير الإذلال فى مراكز الاحتجاز مثل «سدية تيمان» وبثه عبر الإعلام الإسرائيلي.
وفى ظل هذه الأجواء، يصبح إقرار القانون مجرد خطوة لاحقة فى سلسلة طويلة من العقاب الجماعى ومن دون رد عربى حقيقي، يبدو أن إسرائيل تمضى فى تنفيذ ما تشاء بلا تكلفة سياسية، وتتباهى بعض الأصوات في إسرائيل بأن «الشرق الأوسط يتغير»، لكن هذا التغيير لم يعد لصالحها، كما قال ليبرمان نفسه.

ومع ذلك، تدرك حكومة نتنياهو أن واشنطن تضغط لوضع ترتيبات أمنية جديدة لما بعد الحرب، وأن هناك «وصاية أمريكية غير معلنة» على كثير من الملفات
لذا يبدو قانون الإعدام ورقة ضغط سياسية؛ محاولة لإظهار أن إسرائيل ما زالت تملك زمام قرارها الأمنى، وأنها قادرة على التصعيد إذا أرادت.

وفى المقابل، تريد تل أبيب استخدام القانون للضغط على أمريكا كى توافق على خطط نشر قوات دولية فى غزة، تتولى نزع سلاح الفصائل الفلسطينية بالقوة وإلاوفق تهديد نتنياهو ستنفذ إسرائيل المهمة بنفسها، رغم فشلها فى تحقيق ذلك على مدى عامين كاملين.

وتشريع الإعدام يعنى أن إسرائيل تتصرف بلا رادع، وأن المنطقة كلها تتحرك وفق واقع أمنى وسياسى جديد تُصنع قواعده على حساب الدم العربى
وإذا مرّ القانون من دون رد، فستكون هذه سابقة تؤسس لمرحلة أشد تطرفاً وعنصرّية مما عرفته المنطقة منذ عقود.

تم نسخ الرابط