رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

تثبيت الخط الأصفر ومناطق خضراء وحمراء.. واشنطن تطرح "خطة الألوان" لتقسيم غزة

أطفال فلسطينيون وسط
أطفال فلسطينيون وسط الدمار في منطقة جباليا

في تطور يعكس عمق التعقيدات السياسية والعسكرية التي تكتنف المشهد الغزّي بعد الحرب، كشفت وثائق عسكرية أمريكية – بحسب ما نقلته صحيفة الجارديان البريطانية – عن خطة أمريكية جديدة تقوم على تقسيم قطاع غزة إلى مناطق ملوّنة تُدار وفق ترتيبات أمنية دولية وإسرائيلية، ضمن رؤية أطول مدى قد تبقي القطاع عمليًا منقسمًا لسنوات.

أطفال فلسطينيون وسط الدمار في منطقة جباليا  
أطفال فلسطينيون وسط الدمار في منطقة جباليا  

وتبرز الوثائق وجود توجه داخل الإدارة الأمريكية نحو تثبيت “الخط الأصفر” باعتباره حدًا فاصلًا تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، بحيث يقسم القطاع إلى شطرين:

  • منطقة خضراء شرق الخط تكون قابلة لإعادة الإعمار وتتولى إدارتها قوة دولية بالاشتراك مع إسرائيل.
  • منطقة حمراء غرب الخط تُترك مدمرة، بلا خطط إعادة إعمار، وتُكدَّس فيها الكثافة السكانية الفلسطينية بعد موجات تهجير واسعة.

هذا التصور، الذي يتزامن مع تحركات أميركية لدفع خطة أمنية متكاملة تتضمن نشر قوة دولية، يعكس – وفق الصحيفة البريطانية – حالة “ارتباك في السياسة الأمريكية” وتقلّبات في رؤية واشنطن لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار المؤقت.

منطقة خضراء “مُعاد تأهيلها” مقابل منطقة حمراء “منهارة”

وفقًا لما ورد في الوثائق، تشير الخطّة إلى أن المنطقة الخضراء الواقعة شرق الخط الأصفر ستكون مركز النشاط الدولي، حيث تنتشر قوات أجنبية وإسرائيلية، وتبدأ شركات عالمية بإعادة الإعمار. وبذلك تتحول المنطقة إلى ممر دولي للطاقة والمساعدات ومشاريع البنية التحتية، مع إبقاء الرقابة الأمنية بيد إسرائيل.

أما المنطقة الحمراء غرب الخط، فتُصوَّر كمنطقة متروكة دون خدمات، تعتمد على البقاء في حالة “ما بعد الحرب” لفترة طويلة. وتُعد هذه المنطقة – وفق الوثائق – وسيلة ضغط غير مباشرة على السكان لدفعهم نحو الانتقال للمنطقة الخضراء، ما يعني تغييرًا ديموغرافيًا فعليًا بغطاء إنساني وتنموي.

وتشير الغارديان إلى أن هذا الطرح يعكس اتجاهًا لإدارة أزمة دائمة بدلاً من معالجة جذور الصراع، ويبدو أنه يعزز نمطًا من “الهندسة السياسية” حيث يصبح الإعمار أداة لإعادة توزيع السكان.

خطة أمنية ترتكز على قوة دولية ووجود إسرائيلي دائم

تشكل “قوة الاستقرار الدولية” حجر الأساس في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المؤلفة من 20 بندًا، والتي تسعى واشنطن لتمريرها في مجلس الأمن. وتشمل الخطة نشر قوات أجنبية تبدأ ببضعة مئات، ثم ترتفع تدريجيًا إلى 20 ألف جندي يعملون ضمن المنطقة الخضراء فقط.

كما تنص الخطة على:

  • تشكيل قوة شرطة فلسطينية صغيرة تبدأ بـ200 عنصر فقط، وترتفع لاحقًا إلى 3,000–4,000 عنصر.
  • نزع سلاح الفصائل الفلسطينية بالكامل.
  • استمرار الانتشار الإسرائيلي بحجة “ضمان الأمن” دون تحديد إطار زمني للانسحاب.

وبذلك يتحول الخط الأصفر إلى منطقة فصل عسكرية متقدمة تحت سيطرة إسرائيل، بينما تتولى القوة الدولية المهام اللوجستية والإنسانية.

خبير عسكري: الخطة ستخلق “جبهة اشتباك دائمة”

الخبير العسكري ضيف الله الدبوبي يرى أن الخطة الأمريكية تتجاهل الطبيعة المركبة للساحة القتالية في غزة، وتفترض أن القوة الدولية قادرة على إدارة منطقة شديدة الحساسية.

ويؤكد الدبوبي لـ"إرم نيوز" أن إنشاء منطقة خضراء خاضعة لرقابة إسرائيلية ومحمية بقوة دولية سيجعل شرق غزة منطقة مغلقة عمليًا، ما يمنح إسرائيل قدرة كبيرة على مراقبة الحركة وتنفيذ عمليات داخلية تحت غطاء دولي.

أما المنطقة الحمراء، التي تُترك دون إعمار، فستشكل – وفق الدبوبي – بيئة مثالية لعودة التنظيمات المسلحة، ما يحول الخط الأصفر إلى ساحة اشتباك دائمة. ويشير إلى أن هذا الواقع سيجعل أي عملية استقرار مستدامة أمرًا “شبه مستحيل”.

ويحذر الدبوبي من الاعتماد على قوات أوروبية في مهام خطيرة مثل نزع الألغام وتأمين الطرق، مشيرًا إلى التجارب الغربية في أفغانستان والعراق، حيث تحولت القوات الدولية إلى أهداف مباشرة بفعل هشاشة البيئة الأمنية.

كما يرى الخبير أن نشر قوات أجنبية إلى جانب الجيش الإسرائيلي داخل نقاط العبور سيخلق تضاربًا في سلاسل القيادة العسكرية، ويضع القوات الدولية تحت ضغوط متناقضة بين متطلبات الأمن الإسرائيلي والالتزامات القانونية الدولية.

محلل سياسي: الخطة تكرس “نظام فصل عنصري” تحت غطاء الإعمار

من جانبه، يعتبر المحلل السياسي بلال العضايلة أن الخطة الأمريكية مبنية على فرضية سياسية مضطربة تتجاهل الواقع الفلسطيني على الأرض.

ويشير العضايلة إلى أن إبقاء أكثر من مليوني فلسطيني في منطقة حمراء مدمرة سيخلق حالة غضب اجتماعي وسياسي غير قابلة للسيطرة، ولن يسمح بنجاح أي نموذج إعادة بناء في المنطقة الخضراء، التي ستُنظر إليها كمنطقة “امتياز معزول” يخدم مصالح القوى الدولية.

ويرى العضايلة أن هذا التصور يخلق واقعًا تقسيميًا مصطنعًا يقود إلى نشوء “دويلة داخل دويلة”، ويعزز الانقسام الجغرافي والسياسي، ويجعل القطاع عمليًا غير قابل للحكم أو الاستقرار.

ويخلص المحلل السياسي إلى أن الخطة لا تقدم حلولًا سياسية، ولا تعالج جذور الصراع أو قضايا السيادة، بل تستبدل الحرب بحالة ممتدة من الإدارة الأمنية، ما يجعلها معرضة للفشل وربما الانفجار في أي لحظة.

غزة بين حرب مدمّرة ومرحلة انتقالية غامضة

في المحصلة، تكشف وثائق الغارديان عن توجه قد يقود القطاع نحو مرحلة انتقالية طويلة بلا أفق سياسي واضح، حيث يبقى السكان بين منطقة حمراء مدمرة ومنطقة خضراء مقيّدة سياسيًا وأمنيًا، في ظل غياب ضمانات دولية حقيقية تُلزم إسرائيل والجهات الدولية بخارطة طريق واضحة.

وبين وقف إطلاق نار هش، وأزمة إنسانية متفاقمة، وسيناريوهات سياسية غير مستقرة، تبدو غزة اليوم أمام مرحلة تحمل الكثير من الشكوك وقليلًا من اليقين، بينما تبقى الخطة الأمريكية محاولة لإدارة واقع مضطرب أكثر من كونها تصورًا قابلًا للحياة.

تم نسخ الرابط