رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

النائب محمد رزق يكتب.. المتحف الكبير لحظة فاصلة في مسار الاقتصاد والسياحة المصرية

النائب محمد رزق
النائب محمد رزق

لم يكن افتتاح المتحف المصري الكبير مجرد حدث ثقافي أو احتفالية فنية ضخمة، بل هو تحول استراتيجي في المشهد الاقتصادي والسياحي لمصر، وعودة قوية إلى خريطة العالم كوجهة حضارية واقتصادية تستحق المكانة التي شغلتها عبر التاريخ، فالمتحف الذي يعد أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، يمثل حجر الزاوية في مشروع ضخم لإعادة تموضع مصر على الساحة السياحية العالمية، بعد سنوات من التحديات الاقتصادية والجيوسياسية.
 

استمر العمل في المتحف أكثر من عقدين، بتكلفة تجاوزت مليار دولار، ليصبح صرحًا ثقافيًا واقتصاديًا متكاملًا، يمتد على مساحة نحو 470 ألف متر مربع بجوار أهرامات الجيزة ، وهو ما يجعله ليس فقط متحفًا للعرض، بل وجهة متكاملة للسياحة الثقافية والتعليمية والترفيهية، تضم قاعات عرض، ومناطق تجارية، ومؤتمرات، ومتحفًا للأطفال، ومركزًا ضخمًا للحفظ والترميم. 


هذا الحجم من الاستثمار في مشروع ثقافي يعكس رؤية اقتصادية أعمق من مجرد الحفاظ على التراث، بل توظيفه كأصل اقتصادي قادر على جذب الاستثمار الأجنبي، وتحريك قطاعات عدة في وقت واحد: السياحة، النقل، الفنادق، التجارة، وحتى قطاع الخدمات اللوجستية.

إن الـتقديرات الأولية تشير إلى أن افتتاح المتحف الكبير من المتوقع أن يرفع عدد السياح الوافدين لمصر بنسبة تتراوح بين 20 و30% خلال العامين القادمين، ليقترب من هدف الحكومة المعلن وهو استقبال نحو 30 مليون سائح بحلول عام 2030 ، ويُتوقع أن يحقق المتحف عائدًا مباشرًا من التذاكر والخدمات يتجاوز 500 مليون دولار سنويًا خلال أول ثلاث سنوات، بخلاف العائدات غير المباشرة الناتجة عن تنشيط الإنفاق السياحي.
 

فمع افتتاح المتحف، وصلت نسب الإشغال الفندقي في القاهرة الكبرى إلى 100% خلال الأسبوع الأول من الحدث، بينما تم تسجيل أكثر من 200 رحلة جوية إضافية إلى شرم الشيخ والغردقة، نتيجة زيادة الطلب السياحي على مصر كوجهة متكاملة تجمع بين التاريخ والترفيه.

في الاقتصاد الحديث، تُعد الصورة الذهنية للدولة أحد أهم أصولها غير الملموسة ، وافتتاح المتحف المصري الكبير جاء ليُعيد رسم هذه الصورة لمصر بوصفها دولة تجمع بين الهوية العريقة والتحديث المعماري والتكنولوجي من خلال تصميمه المعماري الذي نفذته شركة Heneghan Peng الأيرلندية بواجهة زجاجية تحاكي الأهرامات، والممرات الواسعة التي تستقبل تمثال رمسيس الثاني، وصولًا إلى عروض الوسائط التفاعلية التي تستخدم تقنيات الواقع المختلط والذكاء الاصطناعي لعرض القطع الأثرية بطريقة غير مسبوقة.
 

هذه التجربة المتكاملة ترفع من قيمة مصر التنافسية كوجهة ثقافية وسياحية عالمية، وتجعلها تقف في مصافّ المتاحف الكبرى مثل اللوفر ومتحف المتروبوليتان البريطاني، ولكن بميزة تفوق الجميع: أنها تعرض حضارة واحدة متكاملة تمتد لأكثر من 7000 عام.

قطاع السياحة في مصر يُعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة، إذ يشكّل ما بين 10 إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفّر نحو 2.5 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة ، وافتتاح المتحف الكبير يُتوقع أن يضيف ما لا يقل عن 200 ألف فرصة عمل جديدة في مجالات النقل، الفندقة، الحرف اليدوية، الإرشاد السياحي، والأمن والصيانة.
 

كما يُنتظر أن يُحدث طفرة في أسعار الأراضي والعقارات في المناطق المحيطة بالجيزة والهرم، نتيجة التحسينات الواسعة في البنية التحتية، وافتتاح محطة مترو جديدة ومطار سفنكس الدولي الذي يربط المتحف مباشرة بالعالم.

يُعد هذا المشروع نموذجًا فريدًا للشراكة بين القطاعين العام والخاص ، فقد شارك في دعمه وتمويله مؤسسات كبرى مثل البنك الأهلي المصري الذي أكد رئيسه محمد الأتربي أن المشاركة “واجب وطني واستثمار في مستقبل السياحة المصرية”، إضافة إلى شركة حسن علام القابضة التي تولت إدارة وتشغيل مرافق المتحف ضمن شراكة مع وزارة السياحة والآثار.
 

هذا التعاون يعكس اتجاهًا جديدًا في الاقتصاد المصري يقوم على تحفيز القطاع الخاص للانخراط في المشروعات القومية الكبرى التي تمتد آثارها لعقود مقبلة ، لا يمكن فصل البعد الثقافي عن الجدوى الاقتصادية للمتحف الكبير، فالقوة الناعمة لمصر المتمثلة في تراثها وحضارتها تظل أحد أهم أدواتها في بناء الثقة وجذب الاستثمار والسياحة، وبينما تنفق دول العالم مليارات الدولارات لبناء هوية ثقافية، تمتلك مصر رأس مال رمزي لا يُقدر بثمن، والمتحف الكبير هو منصة عالمية لتسويقه بأحدث أدوات العصر.

لقد نجحت مصر في أن تقدم للعالم حدثًا يليق بتاريخها ومكانتها، وأن تضع لبنة اقتصادية جديدة في مسار التنمية، مستندة إلى أقوى ما تملكه: حضارة تصنع المستقبل كما صنعت التاريخ.

تم نسخ الرابط