رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

ياسمين عبده تكتب: هل يقترب العالم من مواجهة جديدة بسبب غزة؟

ياسمين عبده
ياسمين عبده

في صمت الفجر، يمر نسيم ثقيل على غزة كأنّه يتفقد ما تبقى من أنفاسها. خلف ركام البيوت، لا تزال النار مشتعلة في الذاكرة، والهدوء المعلن ليس إلا هدنة بين حربين. فالعالم الذي أعلن “انتهاء المعركة” يدرك جيدًا أنّها لم تبدأ بعد فعلاً — بل تنتظر شرارة واحدة لتشتعل من جديد.

مصر، التي اختبرت الحروب قبل أن تتقن السلام، تتحرك اليوم في مسرح ملغوم بالخيارات. من رفح إلى بروكسل، ومن واشنطن إلى تل أبيب، تمسك القاهرة بالخيوط وهي تعرف أن سقوط أي منها يعني انفجارًا قد يغيّر وجه الشرق الأوسط. التهدئة ليست سوى خيط رفيع بين حربين، ومصر وحدها تحرس هذا الخيط بذكاء من يعرف أن أمنها يبدأ من غزة، وأن حدودها لا تُرسم بالحجارة بل بالمواقف.

في واشنطن، يلوّح ترامب بمهلة لحماس لتسليم جثث الرهائن، وفي تل أبيب يتحرك “اليمين” بخطة جديدة لفرض وقائع أمنية داخل القطاع، بينما في القاهرة تُدار واحدة من أعقد المفاوضات الدبلوماسية منذ اتفاق كامب ديفيد. لا تصريحات صاخبة، لا تهديدات علنية، بل عمل هادئ يُدار خلف الأبواب، بروح الدولة التي تفهم أن الدبلوماسية ليست كلمات في المؤتمرات، بل هندسة متقنة لتوازن البقاء.

التقارير الغربية تتحدث عن “نشاط إسرائيلي غامض” داخل غزة، وعن “استعدادات لعمليات محدودة” — وهي عبارات دبلوماسية تخفي حقيقة واحدة: تل أبيب لم تقتنع بالهدنة، بل تراها استراحة محارب. أما القاهرة فترى ما هو أعمق: أن استمرار هذا المنطق سيحوّل كل تهدئة إلى فخ جديد. لهذا جاءت رسائلها حازمة في كل الاجتماعات مع الأوروبيين: “السلام لن يعيش إذا لم يُحترم.”

وفي اللحظة التي تنشغل فيها العواصم بالتصريحات، كانت مصر ترسم ملامح الحل على الأرض. أكثر من 200 شاحنة مساعدات تمر يوميًا عبر رفح، بعثات طبية وهندسية تعمل داخل القطاع، فرق دبلوماسية تتنقل بين الفصائل الفلسطينية لتعيد بناء الثقة المنهارة. كل ذلك ليس عملًا إنسانيًا فحسب — بل سياسة بالمعنى العميق: سياسة تعرف أن الإنسانية هي أقوى أدوات النفوذ.

ومع ذلك، يظل السؤال المرعب يطلّ من بين الركام: هل نحن أمام هدنة هشة أخرى؟ أم بداية حرب أكبر قد تتجاوز حدود غزة إلى الإقليم كله؟ الشرق الأوسط الآن كعود ثقاب، والكلّ يقترب منه من دون أن يدرك حجم الانفجار.

مصر تدرك هذا الخطر أكثر من الجميع. لذلك تُصرّ على أن تبقى صاحبة الصوت العاقل وسط صخب البنادق، لأن أي سقوط للتهدئة لن يكون خسارة للفلسطينيين وحدهم، بل كارثة تهدد التوازن الإقليمي برمّته. وإذا اندلع اللهيب مجددًا، فلن تُطفئه كل مياه العالم.

العالم يختبر اليوم قدرته على الإصغاء، وغزة تختبر صدق نواياهم. أما مصر، فتمضي كما اعتادت — لا تتكلم كثيرًا، لكنها حين تتكلم، تصوغ التاريخ. فهل يصغي العالم هذه المرة قبل أن تعود النار لتكتب النهاية بدل البداية؟

تم نسخ الرابط