من موكب المومياوات إلى حفل المتحف الكبير، هل تواصل مصر إنشادها الأبدي
منذ أن تعلّم الإنسان المصري القديم أن يصوغ صلاته لآلهته في كلمات، صار الغناء عنده أكثر من طقس؛ صار لغة، فلم يكن الترنيم ترفًا صوتيًا، بل وسيلة لتجسيد ما يعجز الكلام العادي عن حمله، إذ حملت الخشوع، الرجاء، الشكر، والنشوة، ففي المعابد وعلى ضفاف النيل، كان المصري يغني لا ليُطرب، بل ليُقدّس.
ومن بين ما وصل إلينا من تلك الأزمنة أنشودة النيل، التي تغنى بها الفلاحون والكهنة احتفاءً بفيضان الخير، يوقعونها على آلاتهم في طرب عميق يجعل من الموسيقى صلاة، ومن النشوة شكرًا للحياة، فقد كانت تلك الترانيم تعبيرًا عن علاقة الإنسان بالمقدّس، عن الاتحاد بين الطبيعة والروح، وعن فكرة الخلود التي شكّلت جوهر الحضارة المصرية.
لكننا ـ كما هي عادتنا مع الأشياء الأصيلة ـ لا نلتفت إليها إلا حين تصحو فجأة على وقع حدثٍ يهزّ الوجدان، وهكذا، حين صدحت السوبرانو أميرة سليم في حفل موكب المومياوات الملكية بـ أنشودة "إيزيس"، انكشفت للمصريين والعالم تلك الخيوط الخفية التي تمتد من المعابد القديمة إلى المسارح الحديثة. لم يكن ما حدث مجرد عرض فني مذهل؛ بل لحظة استعادة لروح حضارة كاملة.
بلغة مصر القديمة، وعلى ألحان وضعها هشام نزيه، وبقيادة نادر عباسي، انبعثت مصر من صمت الزمن لتغني مجددًا عن الخلود، عن الأم التي تحتضن أبناءها في رحلة الأبدية. كانت الأنشودة مرآة لذاكرتنا الجماعية، تلك التي لم تمت رغم القرون، بل كانت تنتظر لحظة كهذه لتعود إلى الحياة.
الغناء الأوبرالي في ذاته ـ كما تقول أميرة سليم ـ يتجاوز الصوت إلى التمثيل والتجسيد الكامل للحالة، وهو في جوهره امتدادٌ لروح الأداء المصري القديم؛ حيث لم يكن المنشد منفصلًا عن المعبود، ولا الصوت عن المعنى، كان الغناء فعلًا مقدسًا، واللحن طقسًا يعبر من الأرض إلى السماء.
حفل افتتاح المتحف الكبير
وإذا كانت مصر قد أبهرت العالم في موكب المومياوات، فإن العالم ينتظر اليوم افتتاح المتحف المصري الكبير، الحدث الذي يتجاوز كونه مشروعًا أثريًا إلى كونه إعادة ولادة للذاكرة الحضارية ذاتها، ومن الطبيعي ـ بل من المنتظر ـ أن يحتفي الافتتاح بترنيمة أو غناء يستلهم روح الأسلاف، خاصة بعد ما قدمته فاطمة سعيد وأميرة سليم من نماذج تربط الفن المصري الحديث بجذوره السحيقة.
فالغناء، في جوهره، ليس وسيلة ترفيه في مصر، بل وسيلة تذكّر،وكل ترنيمة تُقال اليوم على مسرح عالمي، هي في الحقيقة امتداد لأنشودات النيل وأدعية إيزيس وصلوات إخناتون، تُعيد تعريف الفن بوصفه ذاكرة الأمة وصوتها أمام العالم.
وحين يُرفع الستار في المتحف الكبير، وتتعانق الأنغام مع الأحجار، سيكون المشهد أكثر من عرض موسيقي، سيكون إعلانًا بأن هذه البلاد، التي غنّت للحياة منذ سبعة آلاف عام، لا تزال قادرة على أن تُدهش العالم بالصوت نفسه، وبالروح ذاتها التي لم تخمد.
فمصر، حين تغني، لا تؤدي دورًا فنيًا؛ إنها تستدعي ماضيها لتبني به حاضرها، وتمنح صوتها للعالم كي يتذكر أن الحضارة التي علّمت البشرية معنى الخلود، ما زالت تغني له حتى اليوم.