رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري
الجمهور الإخباري
رئيـس مجلس الإدارة
محمد رزق
رئيـس التحرير
محمد صبري

محامي الأمن القومي الأمريكي تعلق في حوار لـ “الجمهور” على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

الصراعات العالمية
الصراعات العالمية

يمتلئ العالم بالكثير من الأحداث المختلفة من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، إلى جانب ما يحدث في قطاع غزة، وعلاقة الولايات المتحدة، بعدد من تلك الأحداث، ناهيك عن إيران وبرنامجها النووي، وموقع أمريكا من النظام العالمي الجديد بجانب روسيا والصين، وهو ما أجابت عنه "إيرينا تسوكرمان" محامي الأمن القومي الأمريكي، في حوار لموقع “الجمهور” الإخباري، وإليك نص الحوار.

"إيرينا تسوكرمان"

من ربح حرب غزة: حماس أم إسرائيل؟

حرب غزة لم تنتهِ بعد، وعلى الرغم من أن إسرائيل نجحت في إضعاف القدرات العسكرية لحماس، ودمرت مراكز القيادة، وقضت على عدد من القيادات البارزة، إلا أن القيادة المركزية للحركة، وشبكة الأنفاق، والبنية اللوجستية ما زالت قائمة، وما تزال حماس قادرة على إعادة التنظيم وشن حرب منخفضة الحدة، مما يعني أن الانتصارات العسكرية الإسرائيلية لم تُترجم إلى هيمنة سياسية، وبالتالي، فقد أصبح مصير الحرب معلقًا بين سيطرة إسرائيلية مؤقتة وبقاء أيديولوجي طويل الأمد لحماس.

القوة الحقيقية لحماس تكمن في قدرتها على التحمل والتكيف، وبقاؤها، حيث أعادت ماكينة الدعاية التابعة لها تصوير الدمار على أنه تضحية، وقدمت غزة كرمز للمقاومة بدلاً من الهزيمة، وكل صورة من صور الدمار عززت سردية حماس بأن الهوية الفلسطينية تُبنى على المقاومة، لا على الحكم، وعلى الرغم من أن طوفان الأقصى أثارت تعاطفًا عالميًا مع إسرائيل في البداية، فإن ذلك التعاطف بدأ يتآكل بسرعة مع تصاعد أعداد الشهداء في غزة، وصور الدمار في القطاع.

أما الحكومة الإسرائيلية، فواجهت معضلة استراتيجية عميقة، نظرا لتزايد عدد الشهداء في غزة، وعلى إثر ذلك تعرضت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى ضغوط داخلية واحتجاجات شعبية، إلى جانب انتقادات دولية على خلفية الشهداء والمار الذي خلفه العدوان الإسرائيلي على القطاع، وحتى حلفاء إسرائيل بدوا مترددين، بينما جُمد مسار التطبيع مع الدول العربية، ومع كل قنبلة تُلقى على غزة، تراجعت شرعية إسرائيل عالميًا وازدادت عزلتها الدبلوماسية.

أما إسرائيل، فرغم تفوقها التكنولوجي ونجاحها التكتيكي، لم تحقق نصرًا حاسمًا، فقد استعادت جزءًا من قوة الردع، لكن بثمن سياسي باهظ، وأعادت الكارثة الإنسانية في غزة تشكيل صورة إسرائيل في العالم، ومنحت خصومها تفوقًا في الرواية، وعلى الصعيد الداخلي، كشفت الحرب عن تصدعات بين الحكومة، والجيش، والرأي العام.

كيف ترى مستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي؟

يدخل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي أكثر مراحله تفتتًا منذ عام 1948م، فالنموذج القائم على حل الدولتين، الذي طالما رُوج له باعتباره الحل الدائم والعادل للقضية، لم يعد قائمًا إلا كشعار فارغ، فالأراضي الفلسطينية مقسمة فعليًا بين حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، نظامان متنافسان يكنّ كل منهما كراهية للآخر لا تقل عن كراهيتهما لإسرائيل، هذا الانقسام يضمن الشلل السياسي.

ووبالنسبة لإسرائيل، فإن وجود سلطة فلسطينية منقسمة يعني غياب عدو موحد، وعدم وجود ضغط لتقديم تنازلات ذات مغزى، كما أن غياب شريك تفاوضي موثوق يسمح لإسرائيل بالتركيز على الردع وإدارة الأراضي بدلاً من السعي للسلام.

أما دور إيران، فتستخدم طهران حماس وغيرها من الوكلاء للضغط على إسرائيل، ولإثبات أن النظام الإقليمي المدعوم أمريكيًا هشّ، فالصراع في غزة، والاشتباكات في لبنان، والهجمات في العراق وسوريا كلها تمثل استراتيجية إيرانية موحدة: إنهاك الولايات المتحدة وحلفائها، ورغم أن إدارة ترامب واجهت إيران اقتصاديًا، فإنها تجنّبت التورط العسكري المباشر وهو سمة من سمات الواقعية العدوانية المقيدة التي يتبناها ترامب.

وهكذا فإن مستقبل الصراع يغلب عليها حالة من الإنهاك، والتكرار، فجمود عباس يضمن غياب أي تجديد فلسطيني، وأيديولوجية حماس المتشددة تمنع تحقيق أي هدوء فعلي، وتفوق إسرائيل التكنولوجي يضمن البقاء لا السلام، أما الولايات المتحدة، بقيادة ترامب ونهجه، فهي تفضل إدارة الأزمات عبر الوكلاء بدلاً من الانخراط في حلول كبرى.

هل ما زالت أمريكا "الحليف المطلق" لإسرائيل؟ أم أن هناك ضغوطًا داخلية وخارجية تدفعها لإعادة النظر؟

تظل الولايات المتحدة الحليف الأساسي الذي لا غنى عنه لإسرائيل، لكن في عهد ترامب، أعيد تعريف هذا التحالف، فمنظور ترامب للعالم قائم على المعاملة بالمثل، لا الأيديولوجيا، فالتحالفات موجودة لخدمة المصالح الأمريكية، وليس بدافع الالتزامات الأخلاقية أو العاطفية، حيث يدعم ترامب إسرائيل عسكريًا وسياسيًا، لكن ضمن حدود المصلحة الأمريكية، وعندما تتغير تلك المصالح، تتغير أولويات واشنطن معها، وهذا النمط من الواقعية السياسية يمثل تحولًا عميقًا عن التوافق الأخلاقي الذي ميّز السياسة الأمريكية في العقود السابقة.

وقد ترسخت الانعزالية داخل أمريكا كرد فعل وطني على سنوات من التدخلات الخارجية المكلفة، حيث يدعم الرأي العام، المُرهق من الحروب في الشرق الأوسط والمُتشكك في التشابكات الدولية، ميل ترامب إلى تقليص الالتزامات الخارجية، وتُترجم هذه النزعة إلى قيادة أكثر انتقائية، تتدخل أمريكا حيث تربح، وتنسحب حيث لا تحقق مكاسب، وفي هذا المناخ، حتى إسرائيل أصبحت خاضعة لحسابات الكلفة والعائد.

أما الدبلوماسيون في إدارة ترامب، فهم يرون إسرائيل مشروعًا استراتيجيًا إقليميًا، ولا يزال الدعم قائمًا من خلال صفقات السلاح، والتعاون الاستخباراتي، والتنسيق الاستراتيجي، لكن الاصطفاف غير المشروط تحوّل إلى شراكة منضبطة، وأصبحت واشنطن الآن تضع حدودًا واضحة لما يمكن لإسرائيل أن تقوم به دون أن تمس المصالح الأمريكية.

لذا، تبقى أمريكا أقرب شريك لإسرائيل، لكن طبيعة العلاقة تطورت إلى واقعية منضبطة، وحوّل ترامب التحالف إلى صفقة، والولاء إلى أداة نفوذ، واستُبدلت لغة "الصداقة الأبدية" بـ منطق الحسابات الاستراتيجية، والنتيجة: تحالف أقوى عسكريًا، لكنه أبرد سياسيًا.

4. كيف تقيّم واشنطن التهديد الإيراني اليوم في ضوء ما يحدث في غزة ولبنان وسوريا والعراق؟

تنظر واشنطن إلى إيران بوصفها عامل زعزعة دائم للاستقرار، ففي عهد ترامب، أصبحت النظرة الأمريكية إلى إيران أكثر تشددًا، فلم تعد تُرى كمنافس يجب موازنته، بل كـ “مخرب” يجب تقييده، حيث ينظر إليها من الإدارة الأمريكية، على أنها تدعم الإرهاب من خلال مجموعة من الوكلاء مثل حماس، وحزب الله، والميليشيات العراقية، والحوثيون يتحدى النفوذ الأمريكي ويهدد أمن الطاقة، وبالتالي، فإنه بالنسبة لإدارة ترامب، فإن مواجهة إيران لا تعني الحرب، بل الاحتواء دون التورط الزائد.

تعامل عقيدة ترامب إيران باعتبارها فاعلًا خبيثًا، لا خصمًا متكافئًا، ولا تسعى الولايات المتحدة إلى تغيير النظام، بل تهدف إلى خنق قدرة طهران على التوسع والتأثير، وتبقى سياسة أقصى العقوبات حجر الأساس، حيث تهدف إلى شل الاقتصاد الإيراني مع تجنب الحرب المفتوحة، ومن منظور ترامب، تكمن القوة في الردع، أن تظهر أمريكا قدرتها على توجيه ضربة حاسمة عند الضرورة، لكنها تفضّل الهيمنة الاقتصادية بدلًا من التورط العسكري.

في غزة، دور إيران غير مباشر لكنه حاسم، فطهران توفر التكنولوجيا، والتدريب، والتمويل لحماس عبر شبكات إقليمية معقدة، بهدف استنزاف إسرائيل وإرهاق أمريكا، أما لبنان، فيمثل الورقة الأقوى بيد إيران: فترسانة حزب الله الصاروخية تمنح طهران صمام ضغط دائم على كل من إسرائيل والغرب، في حين تعمل سوريا والعراق كممرات استراتيجية تربط وكلاء إيران في جبهة ممتدة.

وبالتالي هذه حرب هجينة، لا تُخاض مباشرة، بل عبر هجمات غير معلنة، وعمليات إلكترونية، وتلاعب سياسي، لأن إدارة ترامب تتجنب المبالغة في الرد، مفضّلة الضربات المحددة والعقوبات الاقتصادية، فغريزة ترامب تميل إلى إبراز القوة من دون احتلال.

ويبقى البرنامج النووي الإيراني مصدر القلق الأكبر، ورغم العقوبات، تستمر إيران في التخصيب، وتعزز تعاونها مع روسيا والصين، ويرى ترامب في هذا محاولة لإيران لاستغلال التراخي الغربي، وقد زادت إدارته من المراقبة الإلكترونية وسمحت بضربات محدودة عند الحاجة، لكنها تجنبت الحرب المباشرة وهي المفارقة الجوهرية للانعزالية الأمريكية: القوة دون التورط.

5. هل لا تزال أمريكا "قائدة العالم"؟ أم أن مكانتها تراجعت؟

لا تزال الولايات المتحدة القوة المهيمنة في العالم، لكن في عهد ترامب، أصبحت تقود وفق شروطها الخاصة، فلم تعد القيادة أخلاقية أو متعددة الأطراف؛ بل أصبحت قومية وانتقائية، حيث يرفض ترامب فكرة "الوصاية العالمية"، ويؤمن بدلاً منها بـالهيمنة المعاملاتية، فنسخته من القيادة ترتكز على النفوذ لا الإرث لضمان أن تخدم الموارد الأمريكية الازدهار الوطني أولًا.

ومع ذلك، تظل الولايات المتحدة محور النظام الدولي، فالدولار لا يزال العملة المرجعية للاقتصاد العالمي، وتقود التكنولوجيا الأمريكية الابتكار من الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة الدفاع، ويبقى الوجود العسكري الأمريكي عالميًا ولا مثيل له، ومن خلال الانسحاب من الصراعات غير المربحة، أعاد ترامب توجيه الموارد نحو إسقاط القوة الاستراتيجية، وهو ما يؤكد أن النظام العالمي لا يزال يعتمد على الهيمنة الأمريكية سواء بالتعاون أو بالإكراه.

أمريكا لم تعد تُعرّف القيادة بالتعاطف، بل بالهيمنة، وهي تقود لأنها لا تزال الوحيدة القادرة على ذلك، حتى لو قلّ التصفيق لأسلوبها، وأعاد ترامب إحياء السياسة الصناعية، وقوّى صناعات الدفاع، وربط بين الازدهار المحلي والنفوذ العالمي، حيث يرى القيادة كمشروع تجاري قائم على الربح، والمرونة، والحسم، وقد يكون هذا خروجًا صارخًا عن الليبرالية ما بعد الحرب، لكنه استمرار للهيمنة الأمريكية بأسلوب مختلف.

ولا يزال العالم يدور في فلك المال الأمريكي، والسلاح الأمريكي، وشبكات الاتصال الأمريكية، وفي ظل انعزالية ترامب، لم تعد أمريكا تسعى لأن تُحَب — بل أن تُطاع عند الضرورة، وهذا التحول لا يمثل انحدارًا، بل إعادة تشكيل إمبراطورية نفوذ تُبنى من جديد كـ حصن للقوة.

6. هل تملك روسيا أو الصين القدرة على الهيمنة على العالم كما تفعل الولايات المتحدة؟

لا تملك لا روسيا ولا الصين القدرة على الهيمنة العالمية بالشكل الذي تتمتع به الولايات المتحدة، حيث الصين تُعد التحدي الأكبر، لكنها تفتقر إلى الثقة العالمية والحيوية الديموغرافية.، أما روسيا، مرهَقة عسكريًا، وعلى الرغم من قدرتها الكبيرة، إلا أنها عاجزة عن فرض النظام، وترامب يفهم روسيا على أنها مُفسد استراتيجي، مزعج للقوة الأمريكية، لكن غير قادر على إحلالها، وسياسته تجاه موسكو تقوم على المواجهة الانتقائية، عقوبات عند الحاجة، وردع بالقوة، دون حروب أخلاقية أو تدخلات مكلفة.

تم نسخ الرابط