ترامب يتوعد بوتين بـ«عواقب وخيمة» حال فشل اجتماع ألاسكا في تحقيق السلام
في تطور لافت ضمن مساعي إنهاء الحرب في أوكرانيا، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحذيرًا شديد اللهجة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، متوعدًا بـ"عواقب وخيمة" إذا حاولت موسكو عرقلة جهود تحقيق السلام.
يأتي ذلك قبل أيام من القمة المرتقبة بين الزعيمين في ولاية ألاسكا، والتي توصف بأنها اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بينهما، ومدى قدرة ترامب على فرض اتفاق ينهي أطول وأعنف حرب تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
تهديدات مبطّنة من ترامب
خلال تصريحات صحفية الأربعاء، أكد ترامب أن لقاءه مع بوتين سيكون خطوة تمهيدية لقمة ثانية قد تضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وعندما سئل عن طبيعة "العواقب" التي ستواجهها روسيا إذا لم يتم إحراز تقدم في القمة، رفض الخوض في التفاصيل، واكتفى بالقول إنها "ستكون عواقب وخيمة"، وهو ما اعتبره مراقبون تهديدًا مبطنًا بعقوبات أو إجراءات اقتصادية مشددة.
وأضاف ترامب: "إذا سارت الأمور في الاجتماع الأول كما نأمل، فسيكون هناك لقاء ثانٍ بسرعة، وقد يضم بوتين وزيلينسكي، بحضوري، إذا وافق الطرفان".
ورأى مراقبون أن هذه اللهجة تحمل إصرارًا على استخدام النفوذ الشخصي المباشر في التأثير على أطراف النزاع، وهو الأسلوب الذي طالما تبناه ترامب في تعاملاته مع القادة العالميين.

محادثات تمهيدية مع الحلفاء الأوروبيين
جاءت تصريحات ترامب عقب اجتماع افتراضي موسع شارك فيه عدد من القادة الأوروبيين إلى جانب زيلينسكي. هدف اللقاء إلى تنسيق المواقف الغربية قبل قمة ألاسكا، ووضع خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها خلال أي تسوية قادمة.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أن أي اتفاق لا يمكن أن يتم دون إشراك أوكرانيا، وأن الأراضي الأوكرانية "ليست قابلة للتفاوض" إلا من خلال سلطاتها الشرعية.
في السياق نفسه، شدد المستشار الألماني فريدريش ميرتس على أن "تغيير الحدود بالقوة أمر غير مقبول"، محذرًا من أن أوروبا مستعدة لزيادة الضغط على موسكو في حال لم تُسفر القمة عن تقدم ملموس.
بوتين ثابت على موقفه
من جهتها، أكدت روسيا عبر وزارة خارجيتها أن موقفها لم يتغير منذ أن عرضه الرئيس بوتين في يونيو 2024، والذي ينص على شروط أساسية لوقف إطلاق النار، أهمها انسحاب القوات الأوكرانية من أربع مناطق تعتبرها روسيا جزءًا من أراضيها، بالإضافة إلى تخلي كييف رسميًا عن خطط الانضمام إلى حلف الناتو. ورفضت أوكرانيا هذه الشروط باعتبارها تمثل استسلامًا غير مشروط.
وفي ظل هذه المعادلة، يُرجّح مراقبون أن تكون قمة ألاسكا بمثابة اختبار لجدية بوتين في المفاوضات، خاصة أن روسيا صعّدت ميدانيًا خلال الأيام الأخيرة، مع تنفيذها توغلًا عسكريًا واسعًا في شرق أوكرانيا، في محاولة محتملة لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل القمة.
زيلينسكي يحذر من خديعة روسية
الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أشار إلى أن موسكو "تتظاهر" بأنها منفتحة على المفاوضات، بينما هي في الواقع تواصل محاولاتها لتوسيع نطاق الحرب وفرض شروطها بالقوة. وأضاف: "أخبرت الرئيس ترامب وزعماء أوروبا بأن بوتين لا يسعى للسلام، بل يمارس الخداع والضغط العسكري من أجل اقتناص تنازلات".
وأكد زيلينسكي أن كييف ترحب بوساطة ترامب، لكنها لن تقبل أي اتفاقات تُبرم دون مشاركتها الكاملة. وشدد على أن أوكرانيا لن تتنازل عن أراضيها، وأن أي تسوية لا تحترم سيادة البلاد ستكون مرفوضة من الشعب الأوكراني.
دبلوماسية "الزعيم الواحد"
منذ عودته إلى البيت الأبيض، يبدو أن ترامب يسعى لإعادة تشكيل أدوات السياسة الخارجية الأميركية، بعيدًا عن المقاربات متعددة الأطراف التي ميّزت الإدارات السابقة. فهو يعتمد على أسلوب التفاوض المباشر مع الزعماء الأقوياء، مستندًا إلى ما يراه "علاقة شخصية" يمكن أن تُحدث فرقًا في ملفات معقدة مثل الحرب في أوكرانيا.
ويصف محللون هذه المقاربة بأنها "دبلوماسية الزعيم الواحد"، حيث تهمّش المؤسسات والتحالفات التقليدية لصالح الحضور الشخصي للرئيس. ويبدو أن ترامب يريد تصوير نفسه كصانع سلام عالمي، القادر على إنهاء النزاعات الكبرى من خلال قنواته الخاصة مع بوتين وشي جين بينغ.
أوروبا في حالة ترقب
مع اقتراب موعد قمة ألاسكا، تبدو العواصم الأوروبية في حالة من الترقب الحذر. فبينما لا تخفي دعمها للمبادرة الأميركية، تخشى في الوقت ذاته أن تُثمر القمة عن اتفاق يفتقر إلى الشفافية أو يُقصي أوكرانيا من معادلة اتخاذ القرار.
في الوقت الراهن، تراهن كييف على الدعم الغربي لتثبيت موقفها، بينما تسعى واشنطن لإثبات قدرتها على فرض تسوية. أما روسيا، فتواصل اختبار حدود النفوذ الأميركي، في صراعٍ بات لا يُقاس فقط بالمدافع، بل بالأوراق السياسية والدبلوماسية على أعلى مستوى.
قمة ألاسكا، إذًا، ليست مجرد لقاء بين زعيمين، بل لحظة فاصلة قد تُحدد مستقبل الحرب الأوكرانية، وربما تضع أُسس النظام الجيوسياسي المقبل في أوروبا.

