خريطة طريق تركية في سوريا.. إعادة تموضع أم سباق على النفوذ؟
في مشهد إقليمي متقلب، تغيب فيه اليقينيات وتتشابك فيه المصالح، خرج وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتصريحٍ وصفه مراقبون بـ"الانعطافة الحادة"، حين كشف عن "خريطة طريق جديدة لسوريا"، تُعدّها أنقرة بالشراكة مع قوى دولية، وسط غياب لافت للحديث عن موسكو، وشكوك متزايدة حول الأهداف الحقيقية لهذا الطرح. فهل تعيد تركيا صياغة دورها في الملف السوري، أم تحاول كسب موطئ قدم قبل فوات الأوان؟
فيدان يلوّح بخريطة.. واللاعبون يتغيّرون
في 16 يوليو الجاري، تحدث فيدان عقب جلسة طارئة لمجلس الأمن من نيويورك، قائلًا إن "خريطة الطريق التي تعمل عليها تركيا ستكون نموذجًا في التاريخ"، مشيرًا إلى أنها ثمرة تنسيق مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دون أن يذكر روسيا التي كانت حتى وقت قريب شريكًا مفصليًا في الملف السوري.
غياب موسكو من الحديث لم يكن تفصيلًا، بل يُنظر إليه كمؤشر على تغيّر موازين القوة، خاصة مع انشغال روسيا في أوكرانيا، وتصاعد تأثير أطراف أخرى، أبرزها إسرائيل في الجنوب، والقوى الأوروبية في الشمال الشرقي.
التصعيد الإسرائيلي في الجنوب.. ومخاوف أنقرة
تحركات إسرائيل في الجنوب السوري، وتحديدًا في السويداء ودرعا، لم تعد تخفى على أنقرة. في تصريح نادر، حذر فيدان من "استراتيجية إسرائيلية هجومية تتحدى الجميع"، مشددًا على أن عدم احتوائها قد يؤدي إلى "خطر عدم الاستقرار على نطاق أوسع".
اللغة التحذيرية غير المعتادة من الدبلوماسية التركية تجاه إسرائيل، فُهمت على أنها قلق أمني حقيقي من تمدد نفوذ تل أبيب على حساب الدور التركي، خصوصًا في مناطق كانت تاريخيًا مجالًا لنفوذ أنقرة أو شركائها المحليين.
أوروبا إلى الواجهة.. وتركيا تتدارك موقعها
في الوقت ذاته، تتزايد مؤشرات الحضور الأوروبي، خصوصًا الفرنسي، في شمال شرقي سوريا. مصادر دبلوماسية غربية أشارت إلى أن باريس تسعى إلى ترسيخ وجودها السياسي من بوابة الملف الإنساني والإداري، في مناطق الإدارة الذاتية الكردية، متجاوزة القنوات التقليدية كأنقرة أو حتى موسكو.
ويرى الباحث السياسي بسام النجار أن تركيا – في ظل هذا الزحف الأوروبي – تحاول عبر خريطتها المقترحة تثبيت نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات انتقالية، معتبرًا أن "أنقرة لا تملك حاليًا أوراق الحل، لكنها ترفض أن تكون خارج الغرفة التي يُرسم فيها مستقبل سوريا".
خريطة دون روسيا.. هل من توافقات غير معلنة؟
اللافت في خطاب فيدان هو غياب روسيا، حليفة دمشق وأحد أبرز اللاعبين في الملف السوري منذ 2015. المحلل الروسي عباس أديب يرى أن أنقرة بدأت تنظر إلى موسكو كـ"شريك مرهق"، بات وجوده مشروطًا بقدراته المتآكلة بعد أوكرانيا.
ويضيف: "في ظل هذا الفراغ الروسي، تبدو خريطة الطريق التركية وكأنها محاولة لإعادة هيكلة النفوذ في سوريا من دون موسكو، أو ربما بتفاهم ضمني مع الغرب على تجاوزها".
الأكراد.. كلمة السر في الموقف التركي
يبقى ملف "قسد" – قوات سوريا الديمقراطية – أحد أكثر التحديات حساسية في أية خريطة طريق سورية. تركيا، التي ترى في هذه القوات تهديدًا أمنيًا مباشرًا، تتحرك بحذر شديد، خصوصًا في ظل غياب التنسيق مع دمشق حول مستقبل شمال شرقي سوريا.
ويرى النجار أن أنقرة تحاول هندسة "معادلة مقبولة"، لا تسمح بقيام كيان كردي شبه مستقل، لكنها أيضًا لا تعارض تفاهمات محدودة بين "قسد" ودمشق، طالما لا تتحول إلى صيغة انفصالية محمية دوليًا.
خارطة الطريق.. آلية ضغط أم خطة شاملة؟
مصدر دبلوماسي أوروبي أكد أن الخريطة التي تحدّث عنها فيدان لم تُطرح بصيغتها الكاملة على الأطراف الدولية بعد، مرجّحًا أنها أشبه بـ"إطار سياسي مرن" أكثر من كونها خطة تنفيذية.
وأضاف المصدر أن "الأتراك يحاولون توظيف مصطلح الخريطة كوسيلة ضغط دبلوماسي على العواصم الغربية، خصوصًا بعد شعورهم بأن ترتيبات المرحلة المقبلة قد تُبنى دون مشورتهم".
الجنوب السوري.. اشتباك نفوذ ثلاثي
في الجنوب، حيث تتقاطع خطوط التماس بين قوات النظام، الفصائل المحلية، والمجموعات العشائرية، يظهر التقدم الإسرائيلي الميداني والسياسي كأحد أبرز مظاهر الخلل في التوازنات القديمة.
يقول النجار إن تل أبيب تعمل على إعادة رسم خارطة الجنوب السوري بطريقة تجعلها طرفًا أساسيًا في ترتيبات أمن الحدود، وقد بدأت بالفعل تفعيل قنوات تواصل غير معلنة مع بعض القوى المحلية، في تحرك قد يضعف قدرة تركيا على التأثير في هذا الجزء الحساس من البلاد.
خريطة "استباقية".. لا "نهائية"
من خلال قراءتنا لتطور المواقف التركية، يظهر جليًا أن أنقرة لا تطرح تسوية نهائية، بل تحاول صياغة خريطة استباقية تمنع استبعادها من مشهد ما بعد الحرب، خصوصًا في ظل مؤشرات على تقارب أميركي – عربي بشأن الجنوب، وديناميكيات أوروبية – كردية في الشمال.
أنقرة تعلم أن الجلوس على الهامش اليوم يعني خسارة نفوذ طويل الأمد غدًا، ولهذا تُكثّف جهودها لرسم حدود جديدة للعبة، أو على الأقل، أن تكون جزءًا من المرحلة التي ترسم هذه الحدود.
في لحظة إقليمية حرجة، تُلقي تركيا بورقة "خريطة الطريق" في وجه ترتيبات تُصاغ خارج حدودها، محاولةً تثبيت موطئ قدم في زمن السيولة الجيوسياسية. فالمعادلة اليوم لا تقوم على الحسم بل على التموضع، ولا على التفرد بل على التشارك، ومن يغيب عن صياغة اليوم، قد لا يُدعى إلى توقيع الغد.

