باحث يكشف لـ"الجمهور" روشتة تحرر الدول الأفريقية من عبء الديون
قال الدكتور عمرو حسين، الباحث في العلاقات الدولية، إن قضية الديون الإفريقية تمثل واحدة من أكثر مظاهر الهيمنة الاقتصادية غير المباشرة التي تُمارَس على القارة الإفريقية، مؤكدًا أن الديون لم تعد مجرد وسيلة تمويل، بل تحولت إلى أداة للضغط السياسي وتوجيه السياسات الداخلية لصالح أطراف خارجية.

وأضاف الدكتور حسين لـ"الجمهور"، أن الديون ليست شرًا في حد ذاتها، بل قد تكون أداة للنهوض إذا ما تم استخدامها ضمن خطة وطنية واضحة، بعيدة عن الإملاءات الخارجية، ومع رقابة مجتمعية صارمة، والمطلوب اليوم هو إدراك أن تحرير إفريقيا من عبء التبعية يبدأ من امتلاك القرار الاقتصادي، وبناء نماذج تنموية تراعي الواقع المحلي وتُعبّر عن الإرادة الشعبية
وتابع: "منذ عقود، والدول الإفريقية ترزح تحت أعباء ديون متراكمة، تفاقمت بفعل شروط الإقراض المجحفة التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هذه الشروط عادة ما تُقدَّم على أنها ضرورية للإصلاح الاقتصادي، لكنها في الواقع تُستخدم كوسيلة لإعادة هيكلة اقتصادات الدول المستهدفة بما يتماشى مع مصالح الجهات المانحة وليس مع احتياجات الشعوب."
خفض الإنفاق العام
وقال إن أبرز هذه الشروط تشمل خفض الإنفاق العام، وتحرير السوق، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وخصخصة المؤسسات والخدمات العامة، ورغم أن هذه الإجراءات قد تؤدي نظريًا إلى تحسين بيئة الاستثمار وتحقيق توازن مالي، إلا أنها في السياق الإفريقي كثيرًا ما تؤدي إلى نتائج كارثية، منها ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور قطاعات حيوية كالتعليم والصحة.
وأضاف: "الديون أداة ناعمة تُستخدم لتجريد الدول من استقلال قرارها الاقتصادي. فكلما تزايد اعتماد الدولة على القروض الخارجية، كلما تراجعت قدرتها على صياغة سياسات تنموية حقيقية نابعة من حاجاتها الوطنية. هذا النوع من التبعية المالية يُعيد إنتاج النمط الاستعماري لكن بصيغة جديدة، حيث تتحكم المؤسسات المانحة في تفاصيل السياسات المالية والاجتماعية، بل أحيانًا حتى في توجهات الإنفاق العام."
ولفت إلى أن الأزمة لا تقتصر فقط على الجوانب الاقتصادية، بل لها امتدادات سياسية واجتماعية عميقة، حيث تؤدي هذه السياسات المفروضة إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، وتآكل الثقة بين الحكومات وشعوبها، مما يفتح الباب أمام اضطرابات اجتماعية ويُضعف مؤسسات الدولة. كما يُستغل فشل هذه السياسات في اتهام الحكومات الإفريقية بعدم الكفاءة، ما يُمهّد لتدخلات دولية تحت شعارات "إعادة البناء" أو "تحقيق الاستقرار"، وهي تدخلات تحمل في طياتها أجندات جيوسياسية واضحة.
وأوضح عمرو حسين أن الدول الإفريقية لا ترفض التعاون الدولي، بل تسعى إلى شراكات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لكن الواقع الحالي يعكس اختلالًا واضحًا في موازين القوة داخل النظام المالي العالمي، متابعا: "الإصلاح المطلوب لا يتعلق فقط بإلغاء أو إعادة جدولة الديون، بل بإعادة صياغة فلسفة الإقراض نفسها، ويجب أن تكون شروط القروض مرنة، قائمة على تشجيع الإنتاج المحلي، وبناء القدرات، ودعم التنمية المستدامة، بدلًا من فرض إجراءات تقشفية تُنهك المجتمعات وتُقوّض الاستقرار."
موقف موحد على المستوى الإقليمي
ودعا عمرو حسين إلى ضرورة تبني الدول الإفريقية لموقف موحد على المستوى الإقليمي، من خلال مؤسسات مثل الاتحاد الإفريقي والبنك الإفريقي للتنمية، من أجل التفاوض الجماعي حول شروط الديون، وتحقيق قدر أكبر من الشفافية والمساءلة في العقود الموقعة مع المقرضين الدوليين.
وأضاف: "وحدة الموقف الإفريقي ضرورة لمواجهة التحديات المفروضة من النظام المالي العالمي، ولتغيير المعادلة التي تُبقي القارة في موقع التبعية الاقتصادية."

