محمد محى يكتب.. من الخنادق إلى الشاشات: ثورة التكنولوجيا العسكرية
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الجنود أو قوة المدافع، بل أصبحت تُدار عن بُعد، وتُخاض بتكنولوجيا تفوق سرعة القرار البشري، وتحكمها خوارزميات ذكية أكثر مما يحكمها البشر أنفسهم. الصراع القائم حاليًا بين إيران وإسرائيل ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هو نموذج معقّد لحرب هجينة، تقودها طائرات مسيّرة، وهجمات إلكترونية، ونظم دفاعية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، في مشهد يُعيد رسم ملامح الحروب في القرن الحادي والعشرين.
لقد أصبحت المسيّرات أو الطائرات بدون طيار، رأس الحربة في المعركة. إيران طوّرت ترسانة من الطائرات المسيّرة من بينها "شاهد 136" و"مهاجر"، والتي استخدمتها في توجيه ضربات خارجية بدقة لافتة. وتكمن قوتها في قدرتها على التحليق لمسافات طويلة، بتكلفة منخفضة نسبيًا، مع قدرة عالية على تجاوز أنظمة الرادار التقليدية. في المقابل، تعتمد إسرائيل على تقنيات دفاع وهجوم متقدمة، وتُشغّل طائرات مسيّرة مثل "هيرمس 900" و"إيتان"، وتقوم بإدارتها من مراكز تحكم متصلة بأنظمة تحليل بيانات فورية، تُمكّنها من الاستجابة لأي تهديد في أقل من ثانية.
ولا يقتصر المشهد على السماء فقط، فالحرب السيبرانية أصبحت الجبهة الأهم والأخطر. تبادلت الدولتان خلال السنوات الماضية هجمات إلكترونية استهدفت البنية التحتية الحيوية مثل محطات المياه، شبكات الطاقة، وأنظمة النقل، وهو ما يعكس انتقال المعارك إلى الفضاء الرقمي. تمتلك إسرائيل واحدة من أقوى وحدات السايبر الدفاعي والهجومي في العالم وهي "الوحدة 8200"، بينما تعتمد إيران على ما يُعرف بـ"جيش السايبر" التابع للحرس الثوري، لتقويض الأنظمة الرقمية لدى الخصم.
ما يميز هذا الصراع أنه لا يُدار فقط بأدوات تكنولوجية، بل بمنظومات ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات ذاتية في الوقت الحقيقي. الخوارزميات الآن تُحلل الصور الحرارية، وترصد التحركات، وتختار توقيت الهجوم، مما جعل القرار الحربي شبه مؤتمت، وهو تطور يطرح تساؤلات أخلاقية وإنسانية خطيرة حول حدود تدخل العنصر البشري في الحرب.
وفي خلفية المشهد، تسعى كل من إيران وإسرائيل إلى تعزيز قدراتهما في التصنيع العسكري المحلي. ورغم العقوبات، طوّرت إيران منظومات صاروخية ومسيّرات بشكل شبه مستقل. في المقابل، تمتلك إسرائيل منظومة صناعات دفاعية عالمية مثل "إلبيت" و"رافائيل"، وتُصدّر تكنولوجياتها العسكرية المتقدمة إلى عشرات الدول حول العالم.
ومع تطور التكنولوجيا، تتجه الحروب نحو مستويات أكثر تعقيدًا وخطورة. في المستقبل القريب، قد نشهد إدخال الروبوتات الأرضية المقاتلة، واعتراض الصواريخ الفرط صوتية باستخدام ليزر عالي الطاقة، وقد تتحول ساحات القتال إلى شبكات ميدانية ذكية تُدار بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، دون إطلاق رصاصة واحدة من بشر.
إننا أمام تحوّل جذري في طبيعة الحروب، حيث تُصبح الآلة صاحبة القرار، ويُدار الصراع من خلف الشاشات لا من داخل الخنادق. ولعل الصراع بين إيران وإسرائيل اليوم، ليس مجرد مواجهة إقليمية، بل هو إنذار مبكر بأن المستقبل سيشهد معارك تُحسم بالشيفرة والبرمجيات، قبل أن تُسمع أصوات المدافع.