محمد دياب يكتب: الجامعة العربية.. الكيان الذي نسي لماذا وُجد!
بينما كان الاتحاد الأوروبي يخطو خطواته الجادة نحو الوحدة والتكامل، من سوق مشتركة إلى عملة موحدة، ظلت الجامعة العربية تراوح مكانها، وكأنها تجتمع فقط لتتذكر أنها موجودة.
يطرح البعض سؤالاً قديماً جديداً: من الأحق بقيادة الجامعة العربية؟ سؤال يبدو في ظاهره مشروعاً، لكنه يخفي مأزقاً أكبر: هل بات في الجامعة ما يُقَاد فعلاً؟ وهل تتعلق الأزمة بالقيادة أم بغياب المشروع من الأصل؟
على مدار أكثر من سبعة عقود، تأسست الجامعة العربية لتكون بيتاً جامعاً للعرب، لكنها مع مرور الوقت تحوّلت إلى منصة بروتوكولية، تُصدر بيانات لا تُنفذ، وتتداول قضايا لا تُحسم، وتتخذ مواقف لا تؤثر.
قد يرى البعض في مصر المرشح الطبيعي للقيادة، بتاريخها ودورها المؤسس، بينما ينظر آخرون إلى دول الخليج باعتبارها صاحبة الثقل الاقتصادي في المرحلة الراهنة، ويبرز آخرون قوى إقليمية تتطلع إلى التأثير العربي من بوابات السياسة أو الإعلام. لكن المعضلة الحقيقية لا تكمن في "الزعيم"، بل في "الكيان" ذاته: ما هي وظيفة الجامعة؟ وما حدود دورها؟ وهل نملك تصوراً عربياً موحداً للمستقبل؟
الجامعة العربية في صورتها الحالية ليست سوى انعكاس للأزمة الأعمق التي تعيشها المنطقة: غياب الإرادة السياسية الجماعية، وتضارب المصالح الوطنية، وافتقار المؤسسات العربية المشتركة إلى أدوات فاعلة للقرار والتنفيذ.
ليست المشكلة في هوية الأمين العام، ولا في مَن يجلس على رأس الطاولة، بل في طاولة لا تُفضي إلى شيء. فأن تقود مؤسسة بلا صلاحيات، أشبه بأن تُعيّن قائداً لحافلة لا محرك فيها. نحن أمام مؤسسة يجري تشغيلها بالذكريات، وتُدار بمنطق المجاملات، وتخشى حتى في أقصى لحظاتها أن تغضب أحداً. فهل يمكن للكيانات الهشة أن تقود أمة تموج بالأزمات؟
وعندما نقارن هذا الواقع بأداء الاتحاد الأوروبي، تظهر الفجوة بوضوح: هناك مشروع، وإرادة، وهياكل حقيقية لاتخاذ القرار ومساءلة التنفيذ. أما نحن، فلا نزال نختلف على ترتيب البنود في جدول الاجتماعات، ونغرق في تفاصيل الصياغات بينما تحترق ملفاتنا الكبرى في فلسطين وسوريا والسودان.
الزعامة لا تعني من يعلو صوته داخل القاعة، بل من يملك القدرة على تحويل الكلام إلى فعل وما لم تتحوّل الجامعة العربية من أرشيف خطابي إلى مؤسسة بمخالب سياسية، فإنها لن تتقدّم خطوة واحدة، وستظلّ مكانها: على الهامش، تُصدر بياناتها، وتنتظر أن يلتفت إليها أحد.