شحاتة زكريا يكتب : العرب بين قمتين.. وصوت مصر فى بغداد
شهدت العاصمة العراقية بغداد حدثا استثنائيا حين احتضنت القمة العربية الرابعة والثلاثين في وقت تختلط فيه الجغرافيا بالدم ، وتتنازع فيه الأمة العربية بين آمال التوحد ومآسي التشرذم. القمة التي جاءت في لحظة تاريخية حرجة ، لم تكن مجرد اجتماع بروتوكولي ، بل وقفة على الحافة بين الانفجار والتعافي وجاءت كلمة مصر لتعيد توجيه البوصلة نحو المبادئ.
فى قلب العاصفة الإقليمية وقفت مصر - كما اعتادت - على أرض صلبة حاملة همّ الشأن العربى برؤية تتجاوز اللحظة الآنية إلى أفق استراتيجى أشمل. جاءت كلمة الرئيس المصري فى القمة معبرة عن ثوابت السياسة المصرية ومؤكدة أن فلسطين ليست ورقة تفاوض ولا ملفا موسميا بل جوهر الصراع ومفتاح الاستقرار فى الإقليم.
ولم تكن كلمة مصر في بغداد مجرد استدعاء للتاريخ أو تسجيل موقف ، بل إعلان واضح بأن الأمن العربي لا يتحقق بالتطبيع وحده ولا بالتحالفات الظرفية ، بل بإعادة الاعتبار لحقوق الفلسطينيين المشروعة وعلى رأسها إقامة دولتهم المستقلة. فقد وضعت القاهرة النقاط على الحروف حين شددت على أن أى حل لا يتضمن وقف العدوان ورفض التهجير وبدء إعمار غزة هو حل ناقص، ومصيره الفشل.
الأهمية الأخرى لكلمة مصر أنها لم تغرق في تفاصيل الأزمة الفلسطينية فقط.بل تجاوزتها إلى بنية الأزمة الإقليمية نفسها. من لبنان إلى ليبيا ومن سوريا إلى السودان كان الخطاب المصري متماسكا يدعو إلى حلول سياسية شاملة لا تقصي أحدا وإلى رفض منطق الميليشيا والعسكرة.والتمسك بالدولة الوطنية ومؤسساتها.
المفارقة أن هذا الحضور المصري جاء متسقا مع موقف بغداد التى عادت تدريجيا إلى عمقها العربى ساعية إلى لعب دور جامع لا منقسم وهو ما أضفى على القمة طابعا مختلفا عن القمم السابقة حيث بدا أن هناك محاولة عربية - وإن كانت لا تزال أولية - لاستعادة زمام المبادرة.وإعادة بناء المشروع العربى بعد سنوات من الاضطراب.
لكن الأهم من البيان الختامي للقمة أو كلمات الزعماء ، هو اختبار ما بعد القمة. هل تُترجم تلك المواقف إلى آليات عمل؟ هل نرى تحركا جماعيا حقيقيا لإعادة إعمار غزة .لا بالتصريحات، بل بالجرافات والاستثمارات؟ هل نشهد موقفًا موحدًا فى مجلس الأمن؟ هل يمكن بناء مظلة عربية مستقلة لحماية الأمن القومي أم نبقى أسرى ردود الأفعال ومواقف الأطراف الدولية؟
فى كل ذلك يبقى صوت مصر هو الأعلى نبرة والأوضح رؤية ، ليس من باب الزعامة التاريخية ، بل بحكم ثقلها الديموغرافي والسياسي والعسكري والدبلوماسي. ومصر اليوم التى خاضت حروبا من أجل فلسطين لا تزال تعتبر القضية بوصلتها الأخلاقية والاستراتيجية ، وتتحرك على أكثر من مسار: من الدعم الإنساني عبر معبر رفح ، إلى الوساطة السياسية، إلى العمل القانوني والإعلامي لكشف جرائم الاحتلال.
فى النهاية تعكس قمة بغداد لحظة مفصلية: إما أن تتحول إلى بداية مسار عربي جديد يعيد بناء الثقة والمصير المشترك أو تبقى مجرد سطر إضافي فى سجل القمم. وفى الحالتين ، تظل مصر – بحكم الجغرافيا والدور – حجر الأساس فى أى معادلة عربية مقبلة.

