جسدي ملكي.. كيف نُعلّم أبناءنا احترام حدودهم وحماية أنفسهم؟
أكدت الدكتورة ولاء شبانة، الاستشارية التربوية والنفسية، على أهمية التربية الوقائية المبكرة للأطفال، لا سيما فيما يتعلق باحترام الجسد، والوعي بالحدود الجسدية، والتمييز بين اللمسات المقبولة وتلك المؤذية. وشددت على أن التربية النفسية والجنسية السليمة لا تعني تعقيد الأمور أو مخالفة القيم الدينية، بل تهدف إلى الحماية والتوعية في وقت مبكر.
وخلال لقائها مع الإعلامية مروة شتلة في برنامج "البيت"، المذاع على قناة "الناس" مساء يوم الثلاثاء، أوضحت شبانة قائلة :من الضروري أن نبدأ مع أبنائنا منذ الصغر في تعليمهم أهمية الحفاظ على أجسادهم. لا يوجد سن محدد نبدأ فيه هذا النوع من التوعية، بل نأخذ الطفل تدريجيًا خطوة بخطوة، منذ نعومة أظفاره. نعلّمه أن جسده يخصه وحده، وأن له الحق في حمايته وعدم السماح لأحد بانتهاك خصوصيته. نحن أمام خيارين: إما أن نُصلح ما يمكن إصلاحه بعد وقوع مشكلة ما، أو نبدأ من البداية بتربية وقائية، وهو الخيار الأفضل والأكثر فاعلية.
وأضافت: التربية بالمحاكاة تبدأ من السنوات الأولى. فعلى سبيل المثال، إذا خرج الطفل من الحمّام وكان جسده مكشوفًا، أقول له بهدوء: "غَطِّ نفسك"، دون استخدام كلمات جارحة مثل "عيب" أو "حرام" أو الصراخ. الأسلوب الهادئ ونبرة الصوت كفيلان بإيصال الرسالة بطريقة سليمة. وهذا ينطبق على الفتاة أيضًا، فالتربية يجب أن تكون متساوية بين الذكور والإناث، لا فرق في المبادئ.
وتابعت: مع تقدم الطفل في العمر، نبدأ في توعيته تدريجيًا بما لا يصح، مثل: عدم الجلوس على رجل أحد الكبار، أو رفض الأحضان القوية من الغرباء، أو الامتناع عن تبادل القبلات مع أشخاص ليسوا من المحارم، حتى وإن كانوا أقارب مثل ابن الخالة أو ابن العم. علينا أن ندرك أن معايير الأمان تغيرت، وما كان يُعد أمرًا عاديًا في السابق، لم يعد كذلك في عصر الانفتاح والتغيرات الثقافية التي نعيشها اليوم.
وشددت الدكتورة شبانة على أن وضوح الوالدين في التربية يساهم في تقليل الفضول عند الأبناء ويعزز شعورهم بالأمان والمعرفة، مشيرة إلى أن التربية الدينية تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق. وقالت: كلما نشأ الطفل على احترام ذاته وجسده، وفهم الحدود التي يجب أن تُحترم، كلما أصبح أكثر وعيًا وثقة بالنفس. وهنا يأتي دور التربية الدينية، التي تُغرس في الطفل القيم الأخلاقية والضوابط السليمة، مما يمنحه حصانة داخلية تجاه أي سلوك مرفوض.
وأضافت: يجب أن نُكرّر التوعية، ونساعد الطفل على التمييز بين اللمسة الآمنة واللمسة المؤذية، دون أن نُشعره بأننا نعقّد الأمور. الهدف هو غرس وعي حقيقي يحميه، لا إثارة الخوف أو الحرج.
وتحدثت عن أهمية الجمع بين القيم الدينية والإنسانية في التربية، قائلة: في بعض الدول الغربية، يُمنع قانونًا أن يلمس المعلم تلميذه، ونحن هنا لا ندعو إلى التعقيد، ولكن نُذكّر بأن ديننا الحنيف أقر هذه المبادئ منذ القدم، وأكد على احترام الجسد وحقوق الإنسان. فحين نربي أبناءنا على أسس دينية وإنسانية سليمة، نكون فعليًا نمنحهم حماية داخلية تبدأ من الوعي وتنتهي بالأمان.
واختتمت حديثها بالقول: البعض قد يقول إننا نشأنا في بيئات لم تكن تعتمد على هذا النوع من التوعية، ومع ذلك نشأنا بشكل سليم. لكننا ننسى أن المجتمع في الماضي كان أكثر تحفظًا، وكانت مصادر التأثير محدودة. أما اليوم، فالأطفال يمتلكون أجهزة ذكية تُعرضهم لمفاهيم قد تسبق أعمارهم، دون أن يدركوا تأثيرها. لذا، لا يمكننا أن ننتظر حتى يكبروا لنبدأ التوعية. نحن بحاجة إلى أن نبدأ من الصغر، نمضي مع الطفل خطوة بخطوة، نغرس فيه أن جسده ملك له، وأن له الحق في حماية حدوده، وأن هذا الوعي ليس تعقيدًا، بل أمان حقيقي.

